
اليوم وبعد أن انفض “الخلاف” بين السلطتين وجلس الجميع حول طاولة مفاوضات أعلن فيها كل طرف عما يجول في نفسه وخاطره، عاتبت فيه الحكومة المجلس، وعنف من خلاله المجلس الحكومة!
هل ستشهد ساحة الوطن حركة وفعلاً!! أم يبقى التعاون “مشروعاً” بلا آلية وقنوات تنفيذ حقيقية وفاعلة؟!
وإذا كانت الحكومة قد ذكرت في ملاحظاتها أموراً تتعلق بأداء النواب المتواضع، والحوارات الجانبية التي كان يثيرها بعض النواب، وعدم الالتزام بالجلسات وغير ذلك!! فإن المجلس بدوره قد ركز على بطء القرار في الأجهزة الحكومية، والتلكؤ في حسم قضايا البدون والإسكان!! وعلى الرغم من أن كلا الطرفين قد أثار قضية الوضع الاقتصادي المتدهور، والمأزق المالي المستقبلي الحرج، الذي تؤكده القراءات والإحصائيات المتوفرة الحالية!! إلا أن أحداً لم يتطرق لأهم الأزمات التي نعاني منها في هذا الوطن، والتي تختزل في جنباتها كل ذيول إخفاقاتنا الإدارية والاقتصادية.
كم كان بودّنا لو أن أياً من الأطراف قد أثار مشكلة هي دائماً في انتظار المبادرة المناسبة لإثارتها وإعلانها!! فنحن اليوم بحاجة وقبل كل شيء، إلى مشروع جاد لتنمية الفرد، يقوم في أساسه على إعادة تقييم لأداء وإنتاجية الفرد بصورة سليمة وصحيحة، وبحيث يتطور ذلك المشروع ويلغي مع الزمن اعتبارات أخرى قائمة الآن، لأهمية الفرد وأدوات تقييمه!! على أن يتم ذلك بأسلوب عادل ومنصف، يجعل من الإنتاجية والفائدة مقياسنا الرئيسي في أي عملية تقييم للفرد!!
وهو مقياس اعتمدته وتعلم به دول ومجتمعات كثيرة، مما وفر عليها الكثير من الأموال والجهد، لكونه مقياساً يحد من التكدس الوظيفي، والبطء في الإنتاجية والعمل، بالإضافة إلى أمور أخرى كثيرة!!
قد يرى البعض في مثل هذا التقييم طرحاً “شيوعياً” أصبح بالياً ومرفوضاً بعد أن أثبتت الشيوعية عجزها عن الاستمرار!!
وهو بلا شك أمر غير صحيح، لأن الإسلام قد سبق “الشيوعية” في الربط بين فائدة الفرد وحجم إنتاجه وعطائه!! وأحاديث الرسول c المتعلقة بدرجة العلاقة بين أهمية الفرد، ومقدار عطائه، هي بلا شك أكثر من أن نذكرها، أو نذكّر بها هنا!!
إن اعتماد ذلك الأسلوب، سيوفر علينا في مجالات كثيرة. في الاقتصاد والسياسة، في التعليم والإدارة، وسيدفع إلى إثارة روح التحدي والمنافسة العملية، والتي هي شرط أساسي في تنمية قدرات الفرد وعطائه وأدائه!!
مشاريع أخرى كثيرة كهذه، كان الجميع يتمنى لو أن المجلس أثارها ليعبر بواسطتها عن عزمه الحقيقي في بداية جديدة وجيدة!! لكن شيئاً من هذا لم يحدث، لأن الإنتاجية بالتحديد هي ما يعاني منه المجلس ونوابه، والتقييم الفردي للنائب لا يشترط على الإطلاق حجم أدائه ودرجة فائدته!! بل إن التقييم الدوري للنائب والذي يعقد كل أربعة أعوام من خلال آلية الانتخابات والاقتراع لا يضع حجم الإنتاجية في ميزان التقييم إطلاقاً، وهو أمر قد ساوى بين الصامتين في المجلس وبين العاملين فيه!!
ومن هنا فقد كانت شروط المجلس للتعاون مع الحكومة، أو العكس، شروطاً هامشية وشكلية، بل هي في أغلبها من المهام الرئيسية لكل طرف!! مما جعل من مسألة إثارتها كشروط للتعاون أمراً مؤسفاً ومضحكاً في آن واحد!!
فبينما ترى الحكومة إنها ستفتح باب الحوار تمهيداً للتعاون، على أن يلاحظ أن الوزراء بشر وأولاد أناس، وأن ليس هناك أحد أكثر وطنية من أحد!! فإن المجلس بدوره يعلن عن رغبته في التعاون، وعن استعداده لمناقشة أي اقتراح حكومي بالسرعة الممكنة.
لم يعلن المجلس عن آليات أو مشاريع للإصلاح ولتنفيذ خطط اقتصادية وإدارية كثيرة وهامة، لأن المجلس شأنه شأن المجتمع بصفة عامة لا يؤمن بالإنتاج مدخلاً لبداية جديدة، ولا يخضع النواب فيه لذلك التقييم الإنتاجي!! مما قتل روح التحدي والتنافس الرامي إلى الأفضل تحت قبة البرلمان!!
لذا، فإن المجتمع والدولة سيبقيان على إنتاجهما الضعيف والهش، وسيستمر النواب في حالة جمود وصمت، لأنهم ليسوا بحاجة لأن ينتجوا لكي يبقوا ويستمروا، ولأن شعار “أنا إنتج إذاً أنا موجود” يعتبر شعاراً دخيلاً وشيوعياً!!
