
على الرغم من (انفراج) الأزمة أو المعركة السياسية التي دارت رحاها بين السلطتين أخيراً، إلا أن ذلك الانفراج لم يغير شيئاً على الإطلاق من حساسية وأهمية طلب استجواب وزير الداخلية الذي طرحه النائب “القلاف”. ولعلَّ في الاستبيان التي نشرته “القبس” حول الاستجواب المذكور، ما يدل ويؤكد وبصورة كبيرة مدى قناعة المواطن بوجوب المضي في استجواب وزير الداخلية!!
لكن ذلك ما لم يحدث وكما تابعنا جميعاً في وقائع تلك الجلسة، التي انسحب فيها المستجوب (القلاف) رافضاً أن يكون مبادراً إلى سابقة في الحياة البرلمانية الكويتية، يتم فيها استجواب وزير بجلسة سرية!!
نحن جميعاً بلا شك ندرك حساسية ذلك الاستجواب ونعي جيداً درجة ألمه، لكننا أيضاً نعلم بيننا وبين أنفسنا أنه إذا كان الاستجواب بحد ذاته مؤلماً، فإن عدم الاستجواب هنا يعتبر أمراً أكثر ألماً، وأكبر خطراً!! فهنالك علامات استفهام أثارها طلب الاستجواب تطول كلا الطرفين!! وإذا كان التساؤل حول قضايا هروب المساجين أو مافيا المخدرات، أو الوضع الأمني بشكل عام تشكل محوراً أساسياً في مسألة الاستجواب بما يتعلق بوزير الداخلية، فإن ما أثير حول انتماءات خارجية للنائب المستجوب، واحتمالات علاقته المباشرة بجماعة “حزب الله” والتي أثارها تدخله في قضية الضابط الإيراني الموقوف!! أيضاً تأتي كمحاور رئيسية يرفعها المواطن ويُصر على تبين حقيقتها وحجمها!!
إذاً المسألة هنا، ليست استجواباً عادياً لتجاوزات أو إخفاقات من قبل المؤسسة الأمنية وحسب. وإنما لأسباب هي أعمق وأكبر بكثير، وتمس نواحي حساسة ومهمة جداً!! (فشل) الاستجواب هنا لن يقلل شيئاً من حساسية الموقف الذي أثاره طلب الاستجواب!! والمواجهة بين أطرافه أصبحت اليوم مطلوبة أكثر من أي وقت مضى، بعد التفاصيل التي أفرزتها وأخرجتها للعلن ظروف وتداعيات رفع طلب الاستجواب هذا!!
إن ما أسقط الاستجواب حقاً، ليس الجلسة السرية وحسب، بل هو خوفنا الدفين والمزمن من المواجهة والمصارحة والمكاشفة الحقيقية.. الناضجة التي كثيراً ما كانت حجر عثرة في طريق مواجهات مهمة وجوهرية نحو تعاون أفضل وأكبر!!
نحن اليوم ولا شك في أمسّ الحاجة لمثل تلك المكاشفة خاصة فيما يتعلق بجهازنا الأمني!! لأسباب تتعلق باختراقات واضحة لأمننا بشكل عام!! أصبحت هاجسنا اليومي، ومبعثاً دائماً لقلقنا المستقبلي!! وهو أمر يدفع المواطن لأن يُصر على علنية واستعجال المصارحة الأمنية!! لكي يتجاوز من خلالها فوضى الشائعات والأحاديث الجانبية التي خلقت جواً من الرعب والفوضى في نفس المواطن لحقيقة الوضع الأمني في هذا الوطن!!
فنحن بكل تأكيد لا نريد أن يُختزل المأزق الأمني في قضايا المخدرات والمساجين فقط!! التي وعلى الرغم من أهميتها وحساسيتها، إلا أنها تراجعت لتحل محلها قضايا أمنية تتداخل تفاصيلها بسيادتنا كدولة، وبمستقبلنا السياسي بوجه عام!! وإذا كان وزير الداخلية قد أثار من خلال تفاصيل الاستجواب الأخير، أموراً خطيرة، تتعلق بنفوذ دول أجنبية أو قوى وتيارات خارجية تملك من حرية الحركة والتحرك ما مكنها من التغلغل بالصورة التي أثيرت!! فإننا في هذه الحالة نكون مجبرين على حديث المكاشفة الآن، لأن عدمها وامتناعنا عنها يمسنا جميعاً في الصميم!! بل لعلها الفرصة قد سنحت لنا أخيراً، لأن نُدرج في الاستجواب الأمني كل ما يمس سيادتنا وأمننا، فنشير وبصراحة مطلقة لنفوذ جماعات أخرى غير التي أثارها الاستجواب، تملك من الامتداد خارج الوطن ما يعلمه ويُحسه الجميع، وتمارس من الحرية ما يمدها بنفوذ مكنها دوماً من التحرك بسهولة ويسر، وتخدم من خلاله أطرافاً أخرى خارجية!!
إن الروح التي سيطرت على استجواب وزير الداخلية، والاتهامات التي تبادلتها الأطراف، أكدت أن هنالك تبايناً واختلافاً جوهرياً حول ثوابت الأمن، لا حول آلياته الأساسية!! وهي ثوابت معتمدة ومحددة لا نملك أن نبرئ أو نغفر لمتجاوزيها. كذلك فلقد أثارت روح الاستجواب وتداعياته، وما صاحبه من تصريحات، حجم الهوة السحيقة التي تفصل بين أطراف الاستجواب ودرجة الرفض المعبق بروح الانتقام التي يحملها طرف لآخر!! وكلها أمور تدفع إلى وجوب المصارحة الفورية لإنقاذ الوطن والجميع!!
مشكلتنا الرئيسية هي في أننا جميعاً نُصر على البقاء في مرحلة المخاض لأطول فترة ممكنة، رافضين الولادة، لأنها تحمل الألم!! غير مدركين أو بمعنى أصح متجاهلين حتمية الولادة وإن طال المخاض!! حتى أصبحنا صرعى وحيارى الخيار بين حاضر وواقع مؤلم وغامض وبين مستقبل هو بلا شك أقسى وأكثر ألماً!!
