
تعلل سيدة امتناع أبنائها عن التصويت في الانتخابات بسبب ما أسمته بسلبية مرشح الدائرة حين كان نائباً، حيث سبق لها أن استنجدت به لمساعدتها في بناء جزء من منزلها الذي دمرته سيول الشتاء الماضي، فلم يستجب لها ولم يساعدها، هذا إلى جانب امتناع ذلك النائب عن مساعدة ابنها في البحث عن وظيفة ملائمة.
ويوافق هذه السيدة في نظرتها لدور نائب الأمة الكثير من المواطنين الذين يقتصر تقييمهم للنائب على ما يؤديه لهم من خدمات وتسهيلات في نواحي شؤونهم اليومية والمعاشية، ولعل ما يدعو إلى الأسف هنا أن ذلك المفهوم القاصر لدور النائب أصبح مضاعفاً الآن على الرغم من كل هذه السنوات الطويلة من الممارسة النيابية والمجالس المنتخبة.
نائب الخدمات واقع أصبحنا نعاني منه، ومأساة حولت مجلس الأمة من أداة تشريعية إلى مكاتب متفرعة لتخليص المعاملات وتسهيل شؤون المواطنين الخاصة واليومية.
أما مسؤولية ذلك الواقع فيتحملها النائب كما المواطن، والخروج منه يتطلب بناء علاقة جديدة بين الطرفين، تكون قائمة على مصالح سياسية شاملة وليس على علاقات نفعية ضيقة وقصيرة الأجل والمدة، ولقد لمسنا أثر تلك العلاقة الخطأ بين النائب والمواطن في المجالس السابقة، وخاصة في مجلس 96، والتي شلت أداء المجلس واستهلكت الكثير من جهد وطاقة نوابه الذين استعان بعضهم بعدد قياسي من طاقم السكرتارية الملحق بمكاتبهم في مجلس الأمة، وذلك لإنجاز وتخليص معاملات وشؤون المواطنين الذين منحوهم ثقة التمثيل وانتخبوهم، لذا فإن الخروج من هذا الواقع المأساوي لا بد أن يأتي في صدر مهام نواب المجلس الجدد إذا كانوا جادين ومخلصين في تحقيق إنجاز وتقدم حقيقي فيما هم بصدده من مهام ومسؤوليات.
إن العملية الانتخابية ليست عملية مقايضة يدفع فيها الناخب صوته، ويكون النائب مديناً له طوال سنوات عمله في المجلس، والحق الذي يتمتع به المواطن هو حق في قوانين وتشريعات مثمرة وجيدة يقدمها المجلس، وليس حقاً في خدمة استثنائية أو معاملة وزارية، ولتعديل هذه المعادلة الخطأ لا بد من قوانين تساعد المواطن في الاستغناء عن حاجته للنائب في معاملاته وشؤونه اليومية، فبعض المواطنين يفسرون أسباب لجوئهم لنواب المجلس بكونها ناتجة عن بطء المعاملات والإجراءات الحكومية، والتي غالباً ما يأكل روتينها وتعقيداتها من وقتهم وجهدهم الكثير، هذا بالإضافة إلى مفعول الواسطة السحري في كل مؤسسات الدولة ووزاراتها، والذي تتراجع أمامه فعالية وأهمية القوانين بصورة تدفع البعض إلى اللجوء والاستعانة بقنوات أخرى، كان أنفعها وأجداها وساطة وإعانة نائب الأمة.
لقد عانى المجلس السابق أكثر ما عانى من تفاقم الدور الخدماتي للنواب، بحيث امتدت تلك الخدمات لتقتحم أسوار القوانين في مخافر الشرطة، وفي دور العبادة، والحرم التعليمي.
فرأينا كيف أخرج بعض النواب متهمين مدانين من قبضة القانون والشرطة، وكيف عبث البعض منهم في شروط ومتطلبات المؤسسات التعليمية على اختلافها، بل ورأينا كيف تحول دوام بعض النواب من داخل المجلس إلى أروقة المؤسسات الحكومية والمستشفيات ومخافر الشرطة والمحاكم.
إن أمام نواب المجلس الجدد مهمة بناء ذلك الدور الهام والغائب لنائب الأمة وممثلها بما يتناسب وحجم المسؤولية التي أصبحت على عاتق المجلس ونوابه، كما أن عليهم إعادة الثقة بدور المجلس وقدرته على القيام بمهامه، وهي الثقة التي أسقطها وعبث بها أداء المجلس السابق، والذي جاء كأسوأ المجالس المنتخبة أداء وفاعلية، فهنالك علاقة خطأ بين النائب والمواطن تنتظر من نوابنا وعياً صادقاً وضميراً حياً لتقويمها، لكي يتمكن الجميع من حصاد ثمار الديمقراطية، والحركة إلى الأمام في مشوار المستقبل.
