
في الثالث عشر من أكتوبر حلت الذكرى العاشرة لمؤتمر جدة الشعبي. وقد نشرت جريدة “القبس” بهذه المناسبة لقاء مع الدكتور “غانم النجار” رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية حول ما تم إنجازه وتحقيقه من جملة الأهداف التي طرحها المجتمعون آنذاك!! وبينما يرى الدكتور “النجار” أن جزءاً مهماً يتعلق بالحفاظ على الدستور والديمقراطية بشكل عام قد تم تحقيقه، وأن من معطيات المؤتمر الحل الدستوري الأول لمجلس الأمة عام 1999. إلا أنه قد أثار في حديثه قضية الثقة من جديد والتي تحكم العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، على الرغم من كل ما أكده مؤتمر جدة ورسخه من مبادرة حقيقية للتعاون، أكدها أولئك الذين هم في موقع الخلاف الرئيسي مع الحكومة من خلال تمسكهم بالشرعية الدستورية التي أخلت بها الحكومة قبل الغزو.
الدكتور النجار يرى أن عشر سنوات من الارتباك السياسي قد مضت على الكويت، عانى الجميع فيها من الركود الاقتصادي والفوضى في مؤسسات الدولة، كنتيجة مباشرة لغياب القرار والمبادرة!! وهو يرى أن الحكومة متهمة في ذلك لأنها حصرت المطالب في الإبقاء على المجلس وحسب، ومنعت بذلك إمكانية أي تطور في الآلية السياسية، أو في تعديل الدستور نحو مزيد من الحريات!!
يقول الدكتور النجار في لقائه، “المفروض أن نتطور، لكن هناك حساسية وخوفاً من قبل الحريصين على الدستور لأن التجارب مع الحكومة لم تكن جيدة وليست مريحة، بمعنى أنه لو فتح الباب أمام تعديل الدستور نحو مزيد من الحريات – بالطبع – من أن يعدل للأسوأ للتقليل من هامش الحريات، وحتى الآن مع وجود الدستور هنالك قوانين غير دستورية كقانون التجمعات، وقرار عدم إشهار جمعيات النفع العام وغيرها من القوانين المخالفة للدستور.
ثم يشير الدكتور النجار إلى مشروع الحكومة لتنقيح الدستور في العام 1981 الذي كان يهدف إلى سحب صلاحيات مجلس الأمة، حيث اضطرت الحكومة إلى سحبه بسبب المعارضة الشعبية آنذاك.
مؤتمر جدة كان مؤتمراً لعقد وطني مهره وعمده المجتمعون في أحلك الظروف وأكثرها سوداوية في تاريخ الوطن. ومن المفروض أن يكون بناؤنا في أعقاب التحرير ويفعل قرارات وتوجهات مؤتمر جدة بناءً صلباً واثقاً ومتطوراً. لكن وبكل أسف فقد حدث العكس تماماً، فلم يحدث أن عبرت الكويت بما تعبر به الآن ومنذ التحرير من ركود اقتصادي مظلم، وجمود سياسي، وتفسخ اجتماعي، وغياب في القرار والمبادرة أدى إلى ما نشهده الآن من تدهور على كل المستويات والأصعدة.
الإصلاح فيما بعد التحرير بقي متعثراً وغالباً لأسباب أهمها خلط الأولويات الإصلاحية بصورة جمدت الحركة وشلتها في كل المجالات!!
فالجميع يتحدث عن ضرورة إصلاح الاقتصاد والتعليم والتطبيب وغير ذلك من شؤون الوطن، لكن أحداً لا يتقدم بقرار أو بمبادرة تفعل كل ما يُقترح وما يُطرح من برامج ومشاريع إصلاحية!! فالخبير الاقتصادي “جاسم السعدون” يرى في حديث أدلى به إلى جريدة “الطليعة” أن علينا أولاً أن نقوم بعملية إصلاح سياسي نهائي ونضع النموذج المميز للإدارة ثم نقوم فيما بعد بعملية الإصلاح الاقتصادي. لقد قيل في مسألة الإصلاح الإداري أو السياسي الكثير، وصدرت بشأنها تصريحات كثيرة إلا أنها تبقى المسألة الأكثر تعقيداً وحساسية لأسباب تعود بمجملها إلى طبيعة البناء السياسي الكويتي وبُنيته ومكوناته!! لكنها تبقى المسألة الأهم والمدخل الأول نحو كل عمليات الإصلاح الأخرى.
لقد عُقد مؤتمر جدة في ظروف حرجة ومهمة جداً من تاريخ الوطن، واستطاع المجتمعون وعلى الرغم من حساسية ظروف أكتوبر 1990 أن يخرجوا برؤية واحدة وموحدة لكويت ما بعد الغزو، فاتحدت كل الخلافات والاختلافات يومها تحت راية التمسك بالشرعية الدستورية!! والآن في أكتوبر 2000 يمر الوطن بظروف لا تقل حساسية؛ يتدهور فيها الاقتصاد، وتتصاعد معدلات البطالة. وتخترق نفوس مواطنيها هواجس اليأس والخوف من المستقبل!! فهل نأمل بموقف شعبي ورسمي جاد ومسؤول كالذي وقفناه جميعاً في مدينة جدة في أكتوبر العام 1990.
