
عقد مجلس الأمة في الأسبوع الماضي جلسة مصارحة ومكاشفة كنا في أشد الحاجة إليها سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي!! حيث تناول المجلس قضية الاعتداء على المال العام. وأن الحكومة غير متجانسة ومعظم الوزراء غير منسجمين وأنه من المؤسف وجود مثل هذه السرقات في البلد. وبالإضافة إلى ذلك فإن المجلس ونوابه قد أكدوا بأنه إذا أرادت الأسرة أن تصلح نفسها وتصلح البلاد فعليها في البداية أن تصلح نفسها وتبدأ بأولادها.
قد تكون هذه هي المرة الأولى التي يناقش المجلس فيها وبهذه العلانية قضية الأسرة والحكم. لكنها بادرة موفقة وشجاعة نتمنى على الطرف الآخر أن يستفيد منها ويسخرها لما فيه صالح هذه الأرض وهذا الشعب!!
في كتابه “الكويت: دراسة في آليات الدولة القطرية والسلطة والمجتمع” يقول الدكتور شفيق الغبرا في استعراضه للمؤسسات السياسية في الكويت ما يلي: “إن شرعية الأسرة الحاكمة في المجتمع الكويتي عميقة ولا تقل في عمقها هذا عن شرعية أسرة الملك الحسن في المغرب أو الملك وأسرته في النظام الأردني أو الملك وأسرة آل سعود في النظام السعودي وبقية دول الخليج. فالأحداث السياسية الكويتية منذ اكتشاف النفط بما فيها تحقيق الاستقلال وترسيخه وتنمية الاقتصاد، ساهمت في ترسيخ شرعية وموقع مؤسسة الأسرة الحاكمة في الكويت”.
والكويت تشبه في ذلك دولاً ومجتمعات أخرى بدأت تطورها السياسي من خلال حكم أسرة وأفراد وأقلية صغيرة. وهذه البداية التي تشكلت مع استلام صباح الأول للحكم في الكويت عام 1756 شكلت الأساس لنمو هذه القرية الصغيرة التي عاش أهلها على الصيد والبحث عن اللؤلؤ والتجارة. ولولا مقدرة الصباح في مجال القيادة وفهم شؤون الصحراء والمدينة لما استقر حكم الكويت في يدهم. لهذا فشرعيتهم الأسرية اكتسبت عبر الوقت وعبر امتحانات قاسية ناتجة عن الظروف السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية. وقد عزز مبارك الصباح هذه الشرعية عندما عقد اتفاق حماية مع بريطانيا عام 1899. ثم تعمقت في عهد سالم الصباح الذي نجح من خلال معركة الجهراء في حماية الكويت عام 1920، كما تعمقت هذه الشرعية مع اكتشاف النفط وعمل الامتيازات النفطية في زمن أحمد الجابر في الثلاثينيات والأربعينيات وقد شكل امتحان الاستقلال امتحاناً كبيراً للشيخ عبدالله السالم. وشكل النجاح باجتيازه الأساس الذي أدى لصناعة الكويت في شكلها الراهن. أما امتحان الغزو العراقي للكويت الذي كان من المتوقع أن يؤدي لحالة اهتزاز كبيرة في موقع الأسرة الحاكمة ووظائفها السياسية. فقد نتج عنه التفاف المجتمع الكويتي حول “الأمير” إبان الأزمة بصفته الرمز الأهم المتبقي من رموز السيادة. ويمكن القول إن الأسرة في الكويت قد نجحت، رغم التعثرات الكثيرة في هذه الامتحانات الرئيسية في اتباع سياسة المرونة والتعديل في أساليب الحكم، ومع بعض المهادنات السياسية الداخلية والخارجية، نجحت في تعميق شرعيتها!!
إذاً هو دور مؤسسة الأسرة الآن في أن تعيد قراءة تاريخها وبناء نفسها من الداخل وترتيب أوراقها وأدوارها بصورة تحفظ لها وللبلد استقراراً وأماناً. فكما رأينا من ومضات موجزة لذلك التاريخ أن مؤسسة الأسرة كانت تبادر لتغيير وتعديل أوضاعها الداخلية عند كل أزمة تجابهها الكويت. وبحيث كان ذلك هو صمام الأمان الذي أدى إلى تعميق الشرعية واستقرار البلد!!
وبما أننا اليوم نجتاز أزمات سياسية واقتصادية انعكست وبصورة واضحة على النسيج الداخلي للأسرة. فإن الجميع بانتظار أن يتحلى جيل الأسرة الحالي بذلك النهج العقلاني الذي كثيراً ما أنقذ شرعية مؤسسة الأسرة وعمق علاقاتها بباقي مؤسسات الحكم في الكويت!!
لقد بات من الضروري السيطرة على ذلك الخلاف الحاد والمتنامي داخل الأسرة بعد أن خرجت تفاصيله إلى الشارع وأصبح يلقي ظلاله على مؤسسات الدولة المختلفة.. مربكاً العمل في أكثر من مؤسسة وهيئة!! والمؤسف هنا أن الخلاف وليس الاختلاف هو الذي أصبح مهيمناً ومسيطراً على الأسرة، والمحزن أن ذلك الخلاف لن يؤدي إلى شيء لأنه لا يحمل أبعاداً ولا هموماً سياسية كالتي تتعلق بإدارة البلاد، أو إدارة شؤون الدولة. وإنما هو تنافس داخلي على الأدوار والصفوف الأولى!! أدى إلى رواج سوق الإشاعات والتكهنات!!
يقول الدكتور شفيق في كتابه إن على الجيل الجديد من أبناء الأسرة إيجاد المعادلة المقبولة للكويتيين في إطار الحفاظ على شرعية الأسرة الحاكمة وقبل كل شيء شرعية المعادلة الدستورية التي تتحكم في الوعي السياسي الكويتي. لأن عدم الإمساك بآفاق هذا التغيير قد يشكل الأرضية لأزمات سياسية كبيرة قد تعصف بالكويت ومؤسسة الأسرة الحاكمة في العقد المقبل. لكن بلورة فهم عصري لإمكانات التقدم في ظل المعادلة المتعارف عليها بالكويت سوف يفتح الآفاق لاستقرار سياسي في المستقبل، يحافظ من جهة على مؤسسة الأسرة الحاكمة ولكنه يقدم من جهة أخرى لشرائح المجتمع الكويتي المزيد من الحريات والمشاركة والدور في حكم الكويت وإدارة شؤونها وإقرار مستقبلها!!
