غير مصنف

نبيل أيها الصديق القريب

[جريدة القبس 23/4/2003]

نبيل صديق وقريب عربي عزيز من إحدى الدول الخليجية، يحمل وجهة نظر تجاه الوضع القائم بحربه وصراعه وتفاصيله! وهي وجهة نظر يشاركه فيها العديد من الأصدقاء والأشقاء، خصوصاً ما يتعلق منها بوضع الكويت السياسي! ولكي لا تختلط الأمور عند الصديق نبيل، ويراوح في حواره حول أطراف القضايا والأمور دون الدخول في جوهرها، رأيت أن أسرد بعض الأمور التي كثيراً ما تثير حفيظة الكثير لما يتعلق بالكويت شعباً وسياسة، ودورها في الحرب الأخيرة.
الصديق نبيل يرى أن الحرب الأخيرة لا تهدف إلى تحرير الشعب العراقي، وإنما إلى تنفيذ استراتيجية أمريكية طويلة المدى ومتشعبة الأهداف! ونحن هنا نتفق مع الصديق نبيل، لكننا نختلف معه في ما يتعلق بضرورة الحرب هنا لتخليص العراق وشعبه من دكتاتورية البعث التي سادت فأبادت الملايين من أهل العراق، وشردت وهجرت ملايين غيرهم! إن كل الذين عارضوا الحرب في البداية، انطلاقاً من حرصهم على الشعب العراقي، أعادوا النظر بعد أن أيقنوا صعوبة إزالة النظام العراقي دون حرب، خصوصاً أنه قد بنى شبكة عنكبوتية من الاستخبارات والعلاقات المعقدة، التي جعلت من المستحيل الخروج على النظام دون التعرض للموت فوراً! لقد رسخ نظام بغداد نوازع الخوف والرعب في نفوس المواطنين العراقيين وخلق مناخاً من الشك، حتى في أضيق العلاقات الأسرية، فالأخ يشك في أخيه، والأم في ابنها، وهكذا! ألا يرى معي الصديق نبيل أن الحرب الأخيرة قد كانت الحل الوحيد للخروج من خندق الرعب الصدامي؟
وألا يرصد الصديق نبيل ملايين الأصوات العراقية المقرة بأن الحرب على نظام بغداد هي السلاح الوحيد للخروج من أزمة العراق مع نظامه! ليس صحيحاً أن الكويت تبارك الحرب لأنها حتماً في فوهة المدفع، ولأنها أيضاً أول من يتلقى تبعاتها وإرهاصاتها السياسية منها والعسكرية والاقتصادية! لكن الكويت ووفقاً لتجارب عديدة مع نظام بغداد تدرك، كما يدرك الكثير من العراقيين، أنه مهما بلغت خسائر الحرب، فإنها حتماً لن تكون بحجم الخسائر التي يتكبدها العراق شعباً وأرضاً، مستقبلاً وحاضراً من جراء استمرار نظام البعث الحاكم!
أيها الصديق نبيل إن النقد الذي توجهه ويؤيدك فيه الكثير من الأخوة والأشقاء العرب لما يتعلق بالنظام السياسي في الكويت وبالتجربة الديمقراطية، يجافي المنطق والواقع.
وليس صحيحاً قولك إن التجربة الديمقراطية في الكويت فاشلة، وإن الكويت، شأنها شأن الدول الخليجية، بحاجة إلى تغيير سياسي جذري، يضعها في مرتبة الدول المتحضرة! وقد نتفق معك يا صديقي العزيز على أن التجربة الديمقراطية في الكويت لا تزال في طور التشكيل والتحول! لكن شتان بين أن تكون هنالك تجربة آخذة في التطور وبين أن تخلو الساحة السياسية تماماً من أي ممارسة ديمقراطية!
لقد أيقنت الكويت وفي أول تهديد عراقي بغزو البلاد في عام 1961، حاجتها الماسة إلى صمام أمان يقيها مخاطر التحولات السياسية من حولها، فكان أن ضغطت طبقة التجار آنذاك من أجل التغيير، واستجاب حاكم الكويت آنذاك المغفور له عبدالله السالم لحاجة الكويت إلى صيغة دستورية قادرة على توحيد كل الكويتيين، فخرج المجلس التأسيسي إلى النور وبدأ مشوار الديمقراطية في الكويت منذ ذلك الحين.
ألا ترى أيها الصديق نبيل إن الفرق واضح وجلي بين أن يكون لديك نظام سياسي واضح ومحدد ومجمع عليه من قبل كل فئات الشعب، وبين أن تكون ملامحك السياسية مبهمة وغير محددة وبلا مرجعية دستورية وشعبية؟! الديمقراطية في الكويت أيها الصديق نبيل جاءت حصاداً لحرث دشناه في عام 1962 بمجلس تأسيسي مؤلف من عشرين عضواً منتخباً وأحد عشر عضواً بالتعيين، لنصل الآن وبعد أربعة عقود إلى مجلس تشريعي منتخب بالكامل! إن النظام السياسي في الكويت يرسمه الدستور الذي قرر أسس العمل للمؤسسات السياسية في الكويت، بدءاً من دور الأمير وصلاحياته ومروراً باختيار ولي العهد وصلاحياته وموقع السلطة التنفيذية وطريقة تشكيلها، وانتهاء بدور مجلس الأمة وصلاحياته!
إن كل خلافاتنا سواء داخل مجلس الأمة أو خارجه، والتي ترى فيها كما غيرك مؤشرات على فشل تجربتنا، هي خلافات تتم في إطار الدستور لا خارجه، ومن هنا يأتي الفرق بين النظام السياسي في الكويت وأقرانه.
تبقى كلمة أخيرة للصديق نبيل بشأن سياستنا الإعلامية التي يرى فيها الصديق العزيز سذاجة وبعداً عن الواقع! وأنا هنا، وباعتباري نتاجاً حياً للتجربة الديمقراطية من حولي، أتفق معك حول ضرورة تنقيح سياستنا الإعلامية، والخروج بها من سياسة العاطفة، والتحول بها لتتلاءم مع نهج الحرية والديمقراطية في بلدي! وما عمليات النقد الصريح لسياستنا الإعلامية على لسان وقلم الكثير من أهل الرأي، إلا شواهد على مسارنا الصحيح نحو تنقيح مستمر ودائم لتجربتنا الديمقراطية!
إذن ضع يدك في يدي أيها الصديق القريب نبيل، ولنبدأ معاً في غرس بذرة الديمقراطية في عالمنا العربي من أقصاه إلى أقصاه، فهي طريق الخلاص الوحيد نحو مستقبل أكثر إشراقةً وأثبت خطى.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى