غير مصنف

سبعة ضد واحد

[جريدة القبس 25/5/2003]

لقد قطعت الكويت كدولة وكشعب شوطاً لا يستهان به فيما يتعلق بالتجربة الديمقراطية، والمواطن الكويتي يعتز أكثر ما يعتز بتجربته هذه وبتاريخه المشرف في مشوار الحرية والنهج الديمقراطي!
وعلى الرغم من امتداد تلك التجربة في عمق التاريخ الكويتي الحديث، فإنها وبكل أسف لا تزال في طور التنقيح لما يتعلق بطبيعة التجربة الديمقراطية وشروطها، ولا يزال مجالها قاصراً على آليات الترشيح والانتخاب! ولم يمتد بعد إلى نواحي المجتمع الأخرى أو إلى سائر مؤسسات الدولة وهيئاتها!
نشرت جريدة “الأنباء” في الشهر الماضي سلسلة من المقالات المختصة بالأمور التربوية، وهي مقالات تتناول مشكلة في جهاز التربية، ضحيتها مجموعة من الموجهين الفنيين والموجهات الفنيات الذين يعانون مشاكل إدارية وفنية مع الموجهة الأولى باعتبارها الرئيس المباشر لتلك المجموعة! تتلخص شكوى الموجهين والموجهات في أن الموجهة الأولى تفتقد حسن الإدارة، وتنتهج أسلوباً سيئاً في تعاملها مع مرؤوسيها من الموجهين والموجهات، وأنهم باختصار أصبحوا يعانون من تسلطها بصورة دفعتهم إلى تقديم طلب لمدير المنطقة من أجل نقلهم.
وقد دفعني الفضول لمتابعة تلك القضية في صحيفة الأنباء لأرى ما ستسفر عنه المداولات بين الموجهين والموجهات من جهة ورئيستهم من جهة أخرى، خصوصاً بعد أن ردت الأخيرة عبر الجريدة نفسها نافية كل ما ذكره هؤلاء! وعلمت فيما بعد أن الموجهين والموجهات قد طرقوا كل الأبواب لعرض قضيتهم بما في ذلك باب الوزير، لكن أحداً أو جهة لم يستجب لشكواهم فاضطروا إلى طلب نقلهم من منطقتهم التعليمية!
ونعود من حيث بدأنا المقال لنوضح علاقة شكوى الموجهين والموجهات بمسيرة الكويت الديمقراطية، لنذكر بأن سبعة من أصل ثمانية من هؤلاء الموجهين قد عبروا عن مطالبتهم بتغيير الموجهة الأولى! أي أن المطالبة هنا جاءت شبه مطلقة، وهو أمر يتعارض تماماً مع النهج الديمقراطي القائم داخل إدارة هذه الموجهة ومرؤوسيها!
إن أول تعريف للديمقراطية بكونها النظام الأمثل لأنها ترجح كفة الأغلبية بصرف النظر عن طبيعة الموضوع المثار، ولعل أشهر مثال على طبيعة النهج الديمقراطي ما حدث في عام 1999، حين قبل المجتمع الكويتي ورضخ لحكم الأغلبية في مجلس الأمة الذي رفض المشروع الأميري الداعي إلى منح المرأة الكويتية حقوقها السياسية واحترم الجميع بمن فيهم المتضررون لرأي الأغلبية بهذا الشأن.
إن قصر الديمقراطية على مجلس الأمة والحملات الانتخابية هو السبب الرئيسي وراء جمود المسيرة الديمقراطية، وعجزها عن التطور والتحول لتصبح السمة الغالبة على كل التعاملات داخل أجهزة الدولة ومؤسساتها التي تسيطر عليها، وبكل أسف دكتاتوريات معتقة ومحصنة بضعف الحس الديمقراطي، وكما هي حال الموجهة الأولى خصم مجموعة الموجهين والموجهات في قضيتنا الراهنة!
وإذا كان المناخ الديمقراطي مفقوداً في كل مؤسسات الدولة ووزاراتها، وبحسب ما نقرأ ونسمع من المشاكل الإدارية والفنية فيها، وعن تعسف وخشونة بعض المديرين والرؤساء تجاه العاملين في إداراتهم والتي تعكسها قصص العاملين ورواياتهم وشكاواهم فوق صفحات الجرائد اليومية.
إذا كان هذا واقعاً، فإنه قطعاً لا يجب أن يكون كذلك في مؤسسات الدولة التربوية والتعليمية، حيث يمارس الطلبة الديمقراطية من خلال انتخابات القوائم الطلابية، وحيث تتناول المناهج التعليمية قضية الديمقراطية والحريات بصورة مستمرة ودائمة!
يقول بعض العاملين سواء من الهيئة التدريسية أو من الفنيين والإداريين في وزارة التربية، إن هنالك مبدأ شبه متعارف عليه، بأن الشكوى من رئيس في العمل، أو الاعتراض على برنامج أو منهج هو أمر مرفوض، بل وقد يرقى إلى درجة التمرد والفوضى، وهو مبدأ جعل الكثير من المتضررين يغضون النظر عن رفع شكاواهم، لكن ذلك قطعاً لم يكن نهج مجموعة الموجهين والموجهات الذين احتكموا إلى الديمقراطية وصوتوا بغالبية سبعة ضد واحد مطالبين بتنحية الموجهة الأولى!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى