
استجواب وزير الصحة الدكتور محمد الجارالله فتح الباب أمام مواجهة وتحدٍ جديدين تواجههما الكويت كدولة وشعب! المواجهة الآن أصبحت علنية وصريحة بعد أن كانت تأتي بأكثر من مسمى وصفة! فبعد سنوات طويلة من الإنكار، خرج غول الطائفية والقبلية من قمقمه، وأصبح حقيقة تتطلب المعالجة قبل أن تغرق الكويت بأكملها في تداعيات ذلك النهج.
بداية تجدر الإشارة هنا إلى أن وزارة الصحة قد خسرت بترجل طبيبها الوزير عن قيادتها! وهو الذي قطع شوطاً ملموساً في تحسين أداء المؤسسات العلاجية، وشهدت حقبته افتتاح الكثير من المشاريع التي كانت مجمدة لأسباب كثيرة! ولعل من سوء حظه أن يسقطه استجواب بدا هامشياً وضعيفاً في أغلب محاوره، ولم يكن أي مما أثاره المستجوبون جديراً بتحريك استجواب كالذي شهدته قاعة مجلس الأمة في الأسبوع الماضي!
من الواضح أن الاستجواب كان رسالة صريحة للحكومة، يطالب أفرادها بضرورة الالتزام والتقيد بأسلوب المحاصصة في توزيع الحصص الوزارية وهي المطالبة التي خرجت ولأول مرة من دائرة الهمس إلى العلانية وذلك في استجواب الدكتور محمد الجارالله! ولتطرح بذلك السؤال التقليدي حول الآلية المعتمدة في ترشيح واختيار الوزراء في الحكومة الكويتية!
طبقاً للدستور فإن رئيس الوزراء لا يختار وزراءه إلا بعد مشاورات تقليدية يقوم بها الأمير مع بعض الشخصيات السياسية البارزة، وذلك وفقاً للمادة 56 من الدستور ويقوم رئيس مجلس الوزراء باقتراح ترشيحاته على الأمير، ويتم تعيين الوزراء وتكليفهم عن طريق مرسوم أميري! وبخلاف ذلك فإنه لا توجد آليات واضحة ومحددة في اختيار الوزراء كما لا توجد شروط يتعين توافرها في من يتم توزيرهم!
لقد قطعت الكويت شوطاً لا بأس به في مسيرتها الديمقراطية، وإذا كان هنالك عدو للنهج الديمقراطي، فهو اعتماد الطائفية والقبيلة كمعيار في الترشيح لأي منصب، فما بالك إذا ما تصدر هذا المعيار معايير أخرى كالكفاءة والمهنية في عمليات التوزير!
من المؤسف أن تأتي الحكومة اليوم لتتذمر من إيحاءات المستجوبين بضرورة توزيع الوزارات قبلياً وطائفياً، وهي التي مارست كثيراً مناوراتها السياسية، سواء داخل المجلس أو خارجه، من خلال اللعب على مثل تلك الانتماءات التي هي قطعاً خارج العرف والنهج الديمقراطي، بدءاً بالخريطة الجغرافية لمناطق مدينة الكويت، ومروراً بالدوائر الانتخابية، ووصولاً إلى أسلوب المحاصصة الوزارية!
ما حدث في استجواب وزير الصحة الدكتور محمد الجارالله ليس سوى نتيجة للأسلوب الذي اتبعته الحكومة في سبيل تأمين مخرج أو انتصار في كل معاركها السياسية، وحيث اعتمدت سياسة الترضية بين التكتلات القبلية والطائفية، في توزيع حصص الوزارات بغض النظر عن معايير أساسية كالكفاءة والحنكة السياسية، مما خلق المجال لصراعات جانبية طالما خاضتها السلطتان التشريعية والتنفيذية.
اليوم وبعد استجواب وزير الصحة، لم يعد هنالك مجال لإنكار هذا التداخل المؤسف بين الانتماء القبلي أو الطائفي، وبين الأمانة والمسؤولية السياسية الخالصة للوطن! بعد أن خرجت مطالب المحاصصة الوزارية إلى العلن والمجاهرة مع الاستجواب الذي أسقط الكويت!
