غير مصنف

سجال سياسي أم استجواب؟!

[جريدة القبس 5/2/2008]

في كل مرة يفتح مجلس الأمة ملف استجواب لوزير، تتأزم الأجواء السياسية، ويبدأ البعض بالتلويح إما بحل المجلس وإما بتدوير وزاري وإما بإقالة وإما باستقالة للوزير المعني!
ظاهرة الاستجوابات أصبحت تطرح وبشدة تساؤلاً حرجاً عن الدور الفعلي للمجلس بصفته جهة رقابية على أداء الوزراء وسير العمل في وزارات الدولة، خاصة بعد أن أصبحت الاستجوابات أدوات ضغط سياسي تنتهي بعقد صفقات سياسية للتيارات الفاعلة والمؤثرة بشرط غض النظر عن كل ما أثاره الاستجواب من تجاوزات أو أخطاء أو تسيب!
المثير في الأمر، هنا، ليس في تلاشي حمى التشنج والحماس وحسب، ولا في اختفاء نبرة الوعيد والتهديد باسم الوطنية من قبل النواب المستجوبين، بل هو في إذعان الشارع وبسرعة للتهدئة التي غالباً ما تمليها الصفقات السياسية، فالمواطنون الذين تفاعلوا مع محاور الاستجواب، والكتابات التي استنكرت ما أثير من بنود تحوي انتهاكات خطيرة، والاستياء الشعبي من أداء الوزراء ووزاراتهم، كل ذلك يختفي ويتلاشى بمجرد أن يتم التعامل مع الوزير المستجوب سواء باستقالته أو تدويره أو إقالته، لتبقى التجاوزات والسلبيات عالقة بانتظار خلاف سياسي آخر بين التيارات السياسية يعيدها إلى دائرة الضوء، لتلاقي المصير نفسه، وهكذا!
ففي استجوابي وزيري المالية والأوقاف السابقين أثيرت قضايا حساسة تمس المال العام، كضياع 30 مليون دينار من أموال الاستثمارات الكويتية في الجزائر عن طريق تسهيل عملية اختلاسها، وكذلك الدخول في صناديق أسهم محلية خاسرة بمبالغ تزيد على 90 مليون دينار لإرضاء بعض المتنفذين، وحيث تساءل المستجوبون عن الأسباب التي دفعت الهيئة العامة للاستثمار إلى المشاركة في صناديق أسهم في ظل تدني أسعار الأسهم وخسائرها، وعلى الرغم من أن ضوابط الاستثمار تمنع الدخول في صناديق خاسرة!
ذلك بعض ما جاء في استجواب وزير المالية، بينما ازدحم استجواب وزير الأوقاف ببنود صارخة في تجاوزاتها كالتنازل عن أراضي الوقف بشروط مجحفة، والتجاوزات في مصرف المساجد وإيقاف رقابة ديوان المحاسبة، وغير ذلك الكثير الكثير!
وينطبق الأمر ذاته على استجواب وزيرة التربية الفاضلة، التي نتمنى ألا يصرفها تأييد الناس لأدائها عن معالجة ما جاء في بنود الاستجواب من مخالفات، وألا تجرفها حمى التحالفات السياسية إلى أن تتخلى عن أمور أساسية في العملية التعليمية أو أن تقدم تنازلات للكتل السياسية في سبيل جمع التأييد كالإسراف في تطبيق قانون الاختلاط الذي أربك وسيربك التعليم أكثر مما هو مرتبك!
يبقى الاستجواب، الذي يمثل أداة برلمانية في بلد حديث الديمقراطية، منحصراً دوره في الصراع السياسي التقليدي، وبعيداً كل البعد عن عملية الإصلاح الحقيقية!
وتبقى بذلك التجاوزات والسلبيات عالقة، وبنود الاستجواب متراكمة في الأدراج والأرفف، إلى حين ظهور أزمة سياسية في الأفق، لتعود معها التيارات السياسية إلى التنقيب عن أسلحة تشهرها، أما الإصلاح الحقيقي فيبقى عائماً بانتظار صحوة سياسية شعبية حقيقية تعيده إلى صدارة المسار والهدف!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى