
مع استقالة الحكومة وحل مجلس الأمة، يعود السؤال حول الأسباب وراء تكرار مشهد الإخفاق السياسي المتمثل في فقدان التعاون بين السلطتين، الذي أدى إلى تجميد كل مشاريع التنمية والإصلاح في البلد ودخول الدولة بمؤسساتها نفق اللا استقرار والفوضى.
إن تغيير الأسماء في الحكومة، أو إجراء انتخابات الدوائر الخمس، لن تؤدي إلى خروجنا من هذا النفق، ما لم تسبق ذلك حركة إصلاح جادة وحازمة، بمعنى آخر نحن بحاجة إلى “بيرسترويكا” كويتية تعيد ترتيب الأوضاع في البلاد من ألفها إلى يائها!
وأول ما يجب أن تطاله حركة الإصلاح هذه هو قناعتنا بالحرية، وبحقوق الآخرين في التعبير والتصرف والفكر والحركة وبصرف النظر عن اختلافنا مع نهجهم!
الاختلاف، سواء داخل مجلس الأمة أو ضمن المؤسسات والوزارات والأفراد، هو أمر طبيعي جداً، بل إن الاختلاف هو المحرك الأول نحو التغيير، وبالتالي الإمعان في إصلاح الأوضاع بشكل توافقي يؤمن للجميع حقوقهم!
الاختلاف إذاً ليس هو السبب وراء غياب التعاون بين السلطتين أو استقالة الوزارة أو حل مجلس الأمة، وإنما السبب الحقيقي يعود إلى غياب ثقافة احترام الحريات وحقوق الآخرين من أجندة الحكومة ومجلس الأمة، وهي الثقافة التي تشكل جوهر الديمقراطية بمعناها الشامل، ولعل في الجدل الذي دار حول قانون منع الاختلاط أخيراً خير دليل على ذلك! فالتعصب الذي مارسه البعض في إبداء رؤيتهم لمسألة الاختلاط، ألغى من حواره أي فرصة تجيز للطرف الآخر رؤية مخالفة، ومغايرة!
“البيرسترويكا” وفقاً للنسخة الروسية الأصلية تعني إعادة تقييم ومراجعة شاملة لما هو قائم من أوضاع قبل أي محاولة للبدء بالإصلاح أو بالبناء!
وانطلاقاً من ذلك فإن “البيرسترويكا” الكويتية ستتطلب أولاً إعادة نظر ودراسة جيدة ومفصلة للأسباب التي دعت إلى هذا التكرار المؤسف في المشهد السياسي، وذلك قبل أي محاولة لإعادة بناء الحكومة أو المجلس!
وأول ما يجب الوقوف عنده بتجرد وحزم وجدية هو القوانين المنظمة لشؤون الدولة والبشر! هذه القوانين التي تحوي من الثغرات والمخارج أكثر مما تحويه من مواد، وتعاني من اختراقات وتجاوزات أصبحت هي القاعدة لا الشذوذ!
كان الرئيس الروسي غورباتشوف ومن خلال كتابه “بيرسترويكا” في ثمانينات القرن الماضي، يأمل في أن يقوم الاتحاد السوفيتي بعملية تقييم شاملة وجادة لأخطائه قبل البدء بعملية إصلاح للنظام الاشتراكي! وقد تطلبت عملية إعادة التقييم تلك أولاً مجاهرة ومصارحة ومكاشفة (غلاسنوست) كاملة بطبيعة الاخفاقات وأسبابها.
ونحن اليوم في الكويت أصبحنا وبعد كل هذه الفوضى، والجمود في مشاريع التنمية وفي جميع المجالات، بحاجة ماسة إلى “بيرسترويكا” محلية، تتأمل، وتراجع، وتقيم الوضع في الكويت وأسباب إخفاقات مسيرتنا السابقة، قبل أي محاولة بناء، أو إصلاح، أو تعيين لوزير، أو انتخاب لنائب! لعلنا، وفي ظل مراجعة شاملة بهذه الصورة، نخطو أولى خطواتنا خارج نفق الفوضى، والجمود!
