
من الواضح أن مناخ الحرية والممارسة الديمقراطية في الكويت أصبحا يشكلان هاجساً لبعض الدول المجاورة، هذا الهاجس طالما عبرت عنه تلك الدول بأكثر من أسلوب، وتاريخ الكويت يحفل بالأحداث التي كان وراءها تخوف البعض من تصدير الديمقراطية الكويتية!
قد يرى البعض أن الإفراط في اللجوء إلى نظرية المؤامرة هو حجة يعلق عليها الضعيف والعاجز فشله في التعامل مع الأحداث، لكننا في الكويت أصبحنا، وخصوصاً في العقود الثلاثة الماضية نلمس وبوضوح خطوط مؤامرة لاغتيال الديمقراطية في الكويت، تساهم فيها عناصر من خارج حدودنا الجغرافية، ويعينها في ذلك بعض من الذين يمتدّ ولاؤهم إلى خارج حدود الوطن!
الفكر لا حدود له، وبالتالي فإنه قادر على أن يخترق كل أشكال الحواجز والتحصينات والأجهزة الاستخباراتية، والديمقراطية قبل أن تكون ممارسة ونهجاً، هي فكر قابل للتصدير واختراق المعوقات المادية، وقد ساهمت الثورة المعلوماتية في تسهيل مرور الفكر واختراقه لأعتى الحصون، وبالتالي فإن “خطر” الديمقراطية الكويتية في ظل هذه الظروف أصبح مضاعفاً، وهو أمر دفع بأعدائها إلى تكثيف جهودهم ومحاولاتهم القديمة لإضعافها وتهميشها!
لقد ضاعف افتعال الصراع الطائفي في الكويت وكما لو كان القاعدة في العلاقة بين أهل الكويت بكافة أطيافهم، أقول، ضاعف من شكوك البعض للدفع باحتمال وجود مؤامرة شرسة على الديمقراطية الكويتية! فالكويت لم تكن في يوم من الأيام مرشحة لأن تسوء العلاقة فيها بين الشيعة والسنة من أهلها، أو أن يصبح الاختلاف الطائفي فيها مادة لخلافات سياسية أو حتى اجتماعية وبالصورة التي أصبحنا نشهدها اليوم! ولم تعد خافية على أحد هوية التدخلات والأيادي التي تستظل بمناخ الحرية في الكويت لتصفية حسابات سياسية طائفية لا دخل للكويت ولا لأهلها في تفاصيلها! وذلك بهدف تشويه المسيرة الديمقراطية في الكويت التي أصبحت تشكل خطراً على البعض!
في الأشهر الأولى التي أعقبت تحرير الكويت كتبت مقالاً آنذاك أثار استياء الكثيرين من الأصدقاء، كان فحوى المقال يتلخص في أن دول المنطقة قد تخشى من عراق ديمقراطي تعددي حر، أكثر من خشيتها من عراق ديكتاتوري مركزي أحادي السلطة!
وبأن النظام العراقي تحت قبضة صدام حسين قد يكون أكثر انسجاماً مع أنظمة المنطقة من نظام حر وديمقراطي، وحكم متعدد الأطياف السياسية وبرلمان وحرية صحافة وكلمة وغير ذلك من معالم المجتمعات الديمقراطية الحرة!
قد تشكل استجوابات مغرضة كالاستجواب الأخير استنزافاً للطاقات، لكنها وعلى الرغم من ذلك تبقى خطوات في الطريق الصحيح نحقق على ضوئها التنقيح والفرز اللازمين في كل المسارات الإصلاحية، والتي لا يمكن أن تتحقق من دون ألم ومعاناة التغيير! فلقد بذلت شعوب كثيرة الدماء في سبيل ترسيخ الديمقراطية وتأصيل الحريات، تماماً كما ندفع نحن اليوم الثمن بتعطل مشاريعنا الإصلاحية وتراجع مؤشراتنا التنموية في سبيل بناء ثقافتنا الديمقراطية والتي ستكون يوماً عماداً راسخاً وثابتاً لمشاريع تنموية مزدهرة ومثمرة ومستدامة!
