
قد تكون دعوة “القبس” لعقد حوار وطني هي المخرج الوحيد من الأزمة السياسية الراهنة، فعلى الرغم من التفسير المغرض لبعض الأقلام المشبوهة، فإن دعوة “القبس” تبقى في إطارها الوطني، دعوة لفتح الملفات العالقة وبشكل حيادي وموضوعي يستدعيه عجز المؤسسات المعنية عن إيجاد حلول للأزمة التي ستعصف بنا جميعاً!
فالأزمة ـ كما يراها البعض ـ ليست أزمة استجوابات، ولا فساد، ولا هي أزمة اختيار خاطئ لممثلي الشعب، ولا تعيين سيئ للوزراء والقيادات، إنما هي أزمة قناعة ويقين بالنهج الديمقراطي بكل صوره وأشكاله! فمن خلف أجندات الاستجوابات تبرز معركة قديمة قدم الدستور والديمقراطية الكويتية، معركة بين أصحاب القبيلة والولاءات الفردية من جهة، وبين أصحاب الدولة الحديثة والولاء للوطن وحده من جهة أخرى!
فالديمقراطية في جوهرها الحقيقي تعني المشاركة السياسية، وتلك بحد ذاتها مرفوضة بدليل ما تشهده الساحة من عرقلة متعمدة لأي مبادرة ترسخ مفهوم المشاركة السياسية!، فمنذ أن خرج الكويتيون مطالبين بحصتهم ودورهم في إدارة بلدهم، والمحاولات مستمرة لوأد مثل هذا الطموح، بدءاً بأحداث عام 1938 التي أُريقت فيها الدماء الكويتية دفاعاً ومطالبة بالحق الشعبي في المشاركة، وإلى فترات تعليق الحياة الديمقراطية وفرض الوصاية على الكلمة والرأي في عامي 1976 و1986!
وعلى الرغم من كل تلك المعوقات، فإن تاريخ الكويت يحفل بالرموز والأحداث التي تدعم النهج الديمقراطي وتوجهه، بدأها الراحل عبدالله السالم حين استشعر بحنكته جاهزية الكويت وأهلها لمثل هذه المشاركة، فخرج دستور الكويت إلى النور، وبدأت مسيرة البرلمان الكويتي عنصراً أساسياً في الديمقراطية، ثم جاءت مرحلة الغزو فوقفت شاهداً على مدى نضج أهل الكويت وأهليتهم لمشاركة سياسية ترسخ الحكم ولا تنافسه، وأخيراً كانت أزمة الحكم إثر غياب المغفور له الشيخ جابر الأحمد، ليصبح الإجماع بأن الدستور هو المخلص لا المفرق!
لكن، وعلى الرغم من كل ذلك، لا يزال البعض يرى في الديمقراطية منافسة في الحكم، ويتصور أن المشاركة السياسية تحمل إلغاء لنفوذ الأسرة وهيبتها.
وبالتالي فهي خطر يجب مواجهته وكبحه ما أمكن! وهو بالتحديد ما أوصل تجربتنا الديمقراطية إلى مثل هذا المسار الحرج، وكانت لعبة هؤلاء، وبكل أسف، الحملات الانتخابية التي ساد فيها الفساد والرشوة وشراء الذمم للتحكم بغالبية الصوت البرلماني، فكان الضحية المواطن ومستقبل هذه الأرض العزيزة علينا جميعاً!
إذاً، مخطئ من تصور أن الاستجوابات هي مكمن الأزمات، فمن خلفها تبرز القضية الأكثر تعقيداً، قضية الوعي والقناعة بالمشاركة السياسية، وهي قضية لا يمكن حسمها بانتخابات ولا بدستور ولا بمجلس أمة، ما لم تصل الأطراف كلها إلى منطق اتفاق حول جدواها ووجوبيتها! خاصة أن مفهوم المشاركة السياسية السلمية هو مفهوم جديد في الوعي العربي بشكل عام، فلقد اعتاد المواطن العربي على ممارسة المشاركة السياسية بالدبابة وبالبيان رقم واحد، ولم يحدث أن تطور مفهوم المشاركة بشكل سلمي وآمن إلا في الحالة الكويتية، التي تكاد تكون حالة فردية مميزة في عالم لا تقل ولاية الأنظمة فيه عن نصف قرن!
نحن الآن في الكويت نقف على منعطف خطير، بين أن نستمر في تنقيح وتطوير مفهوم المشاركة السياسية بشكل حداثي، وبين أن نعود بعجلة الزمن إلى مرحلة القبيلة، والولاة!
