غير مصنف

تصريحاتنا… وتصريحاتهم

[جريدة القبس 18/6/1992]

الحديث الصحفي الذي أدلى به رئيس المجلس الوطني لمجلة “المجلة”.. أعاد الذاكرة إلى فترة ما قبل حرب تحرير الوطن.. حين أدى أحد القادة العسكريين في الجيش الأمريكي بحديث تطرق فيه إلى خطة تقضي بالالتفاف حول قوات النظم العراقي الرابضة في الكويت.. ويومها قامت الدنيا في إدارة الجيش الأمريكي.. ولم تهدأ إلا بإقالة ذلك القائد.. باعتباره أدلى بتصريح أبدى فيه رأيه وهو في منصب مسؤول.
لقد أصبحت التصريحات والآراء العقيمة.. والتي تثير زوابع لا تملك مواجتها وحلها.. هي ما يميز المرحلة الحالية.. بحيث غدت كبالون الاختبار لطرح القضايا بقصد قياس ردود الفعل.. واختبار توجهات المواطن.. مثل هذه التصريحات.. وفي هذه الظروف بالذات.. وبهذه الصورة من الغموض.. حتماً ستؤجج ساحة الوطن السياسية.. ولكن في الطريق المعاكس والذي لن يعود بفائدة على أحد.. لتصبح تماماً كالفضائح الاجتماعية والتي عادة ما تثار لصرف الأنظار عن تجاوزات ترتكب بحق المواطن.
مثل هذه التصريحات ستؤدي بالمواطن للارتطام بتناقضات اللعبة السياسية من حوله.. فلا يمكن أن يكون رئيس المجلس الوطني قد أدلى بتصريحاته الثورية تلك اعتباطاً وبدون سبب. وهو يعلم مسبقاً أنه سيثير الاستياء من حوله.. وهو يعلم أكثر أن تصريحاته تلك لو جاءت في ظروف مختلفة وفي مرحلة سابقة لكارثة الوطن.. لأثارت ما أثارته من غرابة.. لكونها تصدر من مصادر غير التي ألفناها.. ولكونها تثار من قبل جهات وأشخاص لا يخفي على أحد حقيقة توجهاتهم.
ثم ما الذي جعله يتجاهل كل السلبيات التي تواكب مسيرة الوطن الديمقراطية.. ومنذ التحرير.. ليثبت بانتهاكات السفير الأمريكي لحرمة “الديوانيات” ويعارض (مراهقة المعارضة السياسية في الوطن.. والتي تصطاف في سويسرا ولندن) بدلاً من إبراز السلبيات الحقيقية.. والجديرة بإبداء الرأي والقول.
نوافقه تماماً على أن باب الاجتهاد مفتوح.. وأن لكل رأيه الخاص.. ورؤاه الشخصية.. ونخالفه في فتح ملفات القضايا العقيمة.. والمتاهات المسدودة.. بهدف صرف الأنظار عن المسائل الملحة.. والتي نملك القدرة فعلاً على الفتوى بشأنها.. والصلاحية للقول فيها وإبداء الرأي بخصوصها.
وأذكر هنا.. الرأي الذي طرحه يوماً.. وزير الخارجية الأمريكي الأسبق “هنري كيسنجر” في أحد كتبه.. بشأن تغيير العلاقة مع المعسكر الشيوعي آنذاك.. والتعاون التجاري معه بدلاً من مقاطعته.. يومها أحدث الكتاب ضجة ولكنه أيضاً كان تمهيداً لفلسفة جديدة انتهجتها أمريكا في التعامل مع خصومها حينذاك.
الرأي الذي طرحه رئيس المجلس الوطني رأي. والرأي الذي طرحه “كيسنجر” يومها كان رأياً أيضاً. ولكن الفارق بينهما أن استثمار رأي وزير الخارجية كان أمراً ممكناً. بحيث عاد بالفائدة فيما بعد على اقتصاد بلده.. وعلى مكانتها السياسية والاقتصادية.. بينما يبقى رأي السيد الرئيس عالقاً في الهواء.. إن لم يؤد إلى الإعاقة فإنه لا يحقق تقدماً.
وهذا هو الفرق بيننا وبينهم.. وهو السبب في تخلفنا وتقدمهم.. وهو السر وراء امتدادهم الحضاري إلى سطح القمر.. وعجزنا نحن عن الامتداد إلى ما وراء أبصارنا.. فللرأي أسسه.. وللفكر المطروح تقاليده التي لا تسرح وراء اللا معقول.. وغير المجدي بهدف إثبات الذات.. وتسجيل الموقف.. وممارسة أمراض حب الظهور والتميز. فالآراء في المجتمعات المتقدمة تصبح تطبيقات عملية.. لما تتمتع به من واقعية وجدوى. أما في مجتمعاتنا البطيئة الحركة.. فإن الأفكار والآراء المطروحة.. تتحول إلى مهرجانات خطابية.. وهتافات.. وإشعار.. وذلك لاستحالة تطبيقها.. ولابتعادها عن واقعنا سواء كان واقعاً اجتماعياً أو سياسياً.
ونعود ثانية.. إلى حديث السيد الرئيس.. فنقول: إذا كان القصد من ورائه إبراز مساوئ الديمقراطية.. والقول بما قد تحدثه حرية الرأي من إحراج وإساءة لمصالح الوطن الداخلية والخارجية.. فإن الواقع قد حدثنا خلاف ما يرمي إليه الرئيس في تصريح.. فحرية الرأي هي التي أخرجت الوطن من محنته.. وحرية الرأي هي التي كانت وراء تمسك المواطن بالشرعية ممثلة بالنظام الحالي.. وبما في ذلك حرية رأي المعارضة الحاقدة صاحبة المصالح.. أما إذا كان السيد الرئيس يقصد من وراء تصريحه لفت انتباه تلك الدول التي انتقد ديمقراطيتها ووصفها بكونها مفقودة في أمريكا.. والتأكيد لها على واقع حرية الرأي والقول في هذا الوطن.. وبأنها محترمة ومباحة لكل من يملك قولاً أو رأياً.
فإن الرد على ذلك هو بالقول بأن هذه الحرية الممنوحة للرئيس وغيره في التحرك والتصريح.. يقابلها تضييق وحصار على رموز وعناصر وطنية أخرى.. يحظر عليها إقامة مؤتمرات لإبداء الرأي ومناقشة أمور الوطن.. بل وحتى عقد المحاضرات الثقافية في أحيان كثيرة.
ختاماً.. فإن هكذا تصريحات ستبقى شاهداً على مدى حاجتنا لرؤية صحيحة وواقعية. وغير مشوشة للواقع الذي نعيشه.. وحتى لا نرثي يوماً ذلك المنعطف التاريخي الذي باغتنا صبيحة الثاني من أغسطس.. والذي كان بالإمكان استثماره ليصبح حجر الأساس في بناء وطن أقوى وأجمل.. نستثمره تماماً مثلما استثمرت أمريكا تصريح “كيسنجر” ليشكل انقلاباً هائلاً في سياسة أمريكا الخارجية.. عاد بالنفع عليها وعلى العالم الرأسمالي بأكمله.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى