غير مصنف

الديمقراطية الحقيقية لا يضعها قانون ولا يلغيها

[جريدة القبس 1/10/1992]

قد تكون من أهم القضايا التي أثارها الغزو العراقي للوطن.. هي قضية الديمقراطية في عالمنا العربي إجمالاً. حقيقة الأسباب التي تكمن وراء استمرار الأنظمة غير الديمقراطية.. وغيرها من أنظمة إجماع الـ ٪99. وهل ممكن أن تكون الديمقراطية فاعلة بالرغم من تصدر قضايا أخرى كالجهل والفقر والأمية قائمة القضايا الملحة.. والتي تستوجب معالجة جذرية وسريعة من أجل النهوض بالمجتمع، خاصة وأن التستر وراء قضايا كالجهل والفقر كانت هي دوماً الذريعة التي استخدمتها الأنظمة العربية بغرض تأجيل الخوض في مناقشة الديمقراطية. فهي كما السائل هل أوجب الجهل والفقر ظهور ديكتاتور كصدام حسين أم أن العكس صحيح؟!!
ونحن في هذا الوطن ما زلنا نمارس الديمقراطية على استحياء.. وذلك ما يؤكده ويعززه الكثير ممن يرون في الندوات والمناظرات التي تقام على أرض الوطن الآن ما يهدد استقرار وأمن الوطن.. وما يبدد مستقبل المواطن.. وبكونها خطراً يثير زوابع لا نملك التصدي لها.. خاصة في المرحلة الحرجة التي يمر بها الوطن.. والتي قد لا تحتمل كل ما يثار من رأي أو قول!! فيهمس البعض خوفاً على الكويت.. ويصرخ البعض الآخر في المواطن محذراً أن يرأف بالكويت.
قد لا تكون الديمقراطية هي الحل لكل ما بحوزة الوطن من قضايا ومشاكل.. إلا أنها تبقى بالتأكيد الأسلوب الأمثل لمواجهة مباشرة مع تلك القضايا.. والتفاعل معها بأسلوب يسهل علينا كثيراً رؤيتها بوضوح ومن ثم القضاء عليها.. وذلك ما تؤكده لنا تجارب دول كثيرة أخذت بمبدأ المشاركة والمساءلة. فانعكس ذلك إيجاباً على تقدمها وتطورها.. بل وأمنها واستقرارها.. فالديمقراطية هي إقرار واعتراف مبدئي بوجود الآخرين.. وبحقهم في المشاركة والحوار.. وهي تأكيد على أن لا أحد يمتلك الحقيقة كلها.. لكونها أمراً نسبياً نمتلك منه يقدر ما يمتلك الآخرون.
ولأن الإيمان بحق الآخرين وبمثل هذه الصورة يتطلب تنازلاً واعترافاً.. فقد كان الطريق إلى الديمقراطية صعباً وشاقاً.. يتطلب نضالاً مستمراً على جميع المستويات.. وفي جميع المجالات.
وإذ نقف الآن في هذا الوطن.. على عتبة التطبيق الفعلي للديمقراطية أو إذا جاز القول.. تطبيق ما أجمع العالم على كونه مقياساً لديمقراطية شعب ما.. يلح علينا جميعاً سؤال عن سبب فشل الديمقراطية دوماً أن تكون واقعاً في عالمنا العربي؟ وحتى مع أقدم الدول العربية تجارباً وخبرة في مجال الديمقراطية.. ولا أظن أن ديمقراطية الجزائر قد غابت عن مخيلتنا بعد!! وهل يمكن أن تملي التجربة العربية شروطها على ديمقراطية الوطن!!
لعلّ أبلغ ما في الديمقراطية هو حق النزول على حكم الأغلبية.. والقبول باجتهاد الأكثرية.. وهو ما تنتهجه الأمم المتحضرة لإقرار النظم والقوانين والوسائل للانتقال من وضع إلى وضع آخر.. ويتم ذلك دون أن تنتهك في طريقها حرية فرد أو عقيدة فرد آخر.. تلك الأمم التي لم تكن تصل إلى ما وصلت إليه لولا إيمانها أن الطريق نحو التطور والتقدم لا يمكن أن يتم دون خلق الإنسان المدرك الواثق ومن ثم القادر على الإسهام في صياغة ذلك التطور..
مجتمعاتنا تعثرت محاولات تطبيق الديمقراطية فيها لكونها خلقت بين حكم الأغلبية وإجماع الأكثرية.. وبين ما هو حق أساسي للفرد.. لا يمكن إلغاؤه بأي حال من الأحوال.. ومهما كان إجماع الأغلبية.. المجتمعات الديمقراطية تلتزم أولاً بحق الفرد بممارسة حقوقه الأساسية ومما استقر فيها في الضمير العام حول حقوق الإنسان.. وهي حقوق لا يمكن المساس بها حتى وإن جاء اتفاق الأغلبية بعكس ذلك.. فهي مجتمعات تدين بحق الفرد في التعبير.. والعقيدة.. وحرمة السكن.. وحق الحياة.. وترى أنها الأسلوب الأمثل في بناء المجتمع الديمقراطي من خلال خلق الفرد الحر الشجاع الواثق والقادر على مواجهة الآخرين بموضوعية.. ودون حاجة منه لأن يطأ أو يقتحم حرية الآخرين.. هذه الحقوق الأساسية للفرد اكتسبت لدى تلك الدول بمرور الوقت وبفضل الممارسة الصحيحة.. اكتسبت أولوية عليا في أي مجتمع ديمقراطي.
أما في مجتمعاتنا فالعكس هو الصحيح.. فزوار الفجر يخترقون حرمة السكن بهدف حماية المجتمع من المخربين!! ودعاة الإصلاح يشككون في عقيدة من لا يؤدي الفريضة في المسجد.. وحق الحياة تنتهكه نزوات الأنظمة في تأمين النفوذ وحماية المراكز.
الديمقراطية ضرورة.. وشرط أساسي لأي عملية تغيير أو تطور وبدون الديمقراطية والمشاركة.. سيكون أي تصور للتغيير والتطور عرضة للتوقف.. والانقطاع.. فعلى ضوء وجودها أو عدم وجودها تكتسب القضايا مزيداً من الشرعية أو العكس وإذا كانت الديمقراطية ضرورة لشرط الاستمرارية أساسي عند الأخذ بها كمنهج لتنظيم المجتمع وتوزيع المهام فيه.. وذلك يعني أن تصبح ممارسة يومية.. وليس ظرفاً عارضاً أو طارئاً.. وما نراه الآن من مناقشات ومناظرات في شؤون الوطن وهموم المواطن يعتبر خطوة تعني المزيد من الجدية في تطبيق الديمقراطية.. الذي إن دلَّ على شيء فإنما يدل على زيادة الوعي بمفهوم الديمقراطية.. والاقتناع بدلالاتها.. والتي لا تتوقف عند بوابة مجلس الأمة فحسب، إنما تبدأ قبله بكثير.. ولا تنتهي أبداً بإعلان نتائجه.. لذلك فإن الذين يعتبون على المواطن ما يثيره من قضايا ومشاكل.. إما أنهم يريدون جانب الديمقراطية اليسير.. أو أنهم ما زالوا يعتقدون أن المواطن، لا يستحقها بعد.
الديمقراطية الحقيقية لا يضعها قانون.. ولا يلغيها قانون.. وغالباً ما تكون انطلاقتها خارج أسوار البرلمان والتمثيل النيابي.. تماماً كالوضع القائم الآن في حلبات النقاش على أرض الوطن.. وهو وضع صحي ويبشر بالخير.. ومهما بدا متواضعاً في نظر البعض أو مفزعاً في نظر البعض الآخر.. إلا أنه يبقى الوضع المثالي والتراكم الأفضل لصنع مستقبل الوطن.. فوحدها التراكمات الصغيرة تخلق تاريخ الشعوب.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى