غير مصنف

دولة.. ولكن بمنطق الديوانية

[جريدة الطليعة 24-30/11/1993]

على الرغم من كل ما ألم بهذا الوطن الصغير.. من أحداث هي أكبر بكثير من حجمه الجغرافي الصغير.. وعلى الرغم من كل ما تحمله تجربة كالتي عاشها الوطن بمواطنيه من غزو وشتات وتحرير.. وعلى الرغم من الفرصة التي كانت قائمة لإعادة نظر جذرية في مفهوم بناء الدولة. إلا أننا عدنا وللأسف. ندير الدولة بمنطق القبيلة.. وبمفهوم “أعطه صرة من الذهب”.. أو كافئه يا وزير فقد أصاب”، “اقطع عنقه يا وزير فقد أخطأ” ومنطق القبيلة هذا تعكسه ماهية القضايا التي أصبحت تُطرح.. والأسلوب الذي يتم من خلاله تداول وطرح تلك القضايا.
وسواء كانت هذه القضايا من مثل قضية التهمة التي وجهت إلى النائب الشريعان.. أو قضية “ألف ولام” المادة الثانية من الدستور.. أو مشروع اللجنة التشريعية في مجلس الأمة بخصوص تعويض المواطنين من جراء الغزو، فإنها أصبحت مصدر قلق للمواطن.. ومؤشراً خطيراً لانحراف الوطن عن القضايا الأهم.
الجميع يدرك ولا شك.. سواء كان ضالعاً مباشرة في أي من تلك القضايا.. أو مشاهداً لأحداثها.. أن أياً مما أثير لا يمس مباشرة المطالب الأساسية للوطن وللمواطن. وذلك أمر دعا الكثير لإطلاق صفات كثيرة على مثل هذه الإثارات.. فمن مخطط.. إلى محاولة لضرب الرموز الوطنية.. إلى أسلوب جديد لشغل المواطن وأياً كانت الأسباب.. فإنها دون شك تترجم حالة واحدة تلازمنا جميعاً.. وهي حالة الثاني من أغسطس.. فلا يزال بداخلنا غضب هائل مؤجل لعدم ارتقائنا إلى مرتبة وجسامة الحدث. ولا يزال بداخلنا حزن دفين.. لعجزنا عن مواجهة مكامن الخطأ في هذا الوطن.. ولم يزل داخلنا خوف رهيب من مستقبل يزداد غموضاً.. وحاضر يتردى سوءاً..
فعلى الرغم من المظهر الخارجي للدولة ككيان سياسي واجتماعي واقتصادي لا نزال وفي أعماقنا نتشبث جميعاً بمظهر القبيلة.. ومجلس العائلة.. فبالرغم من وجود مجلس أمة.. ومعارضة.. وجبهة إسلامية.. وأخرى علمانية وجمعيات نفعية.. وعلمية.. ويسار.. ويمين.. وكل الاتجاهات الجغرافية والإيديولوجية، إلا أننا لا نزال نستمتع بنهج القبيلة.. وطرح الديوانية.. في تداول مصالح الدولة بشكل عام. فلا غرو إذن.. أن تبقى أخطاؤنا.. وسلبياتنا كمجتمع سياسي كان أم اجتماعي.. عالقة أبداً.. قبل الغزو وبعده.. وأبداً وإلى أن نُلقي برداء القبيلة، فما زلنا نضاهي جمهوريات الاتحاد السوفيتي المُنحل. في تسلّحنا العسكري.. فمن مليارات لشراء دبابات.. وأخرى لاقتناء طائرات. ومثلها لإعداد الجيش والشرطة والحرس.. رغم أن الحدود تنتهك كل يوم والجرائم أكثر من أن تُحصى.. واختراق الوطن من قبل المتمرسين في الإرهاب.. يشغل الجانب الأكبر من هاجسنا الأمني.. وما زالت ميزانية الوطن تفوق ميزانية الصين ذات المليار نسمة.. رغم أن اقتصادنا ينهار.. وبنوكنا تتذمر.. واستثماراتنا تتلاشى ولا زال هرم التعليم مقلوباً.. رغم أن عبء وزارة التربية قد تراجع إلى النصف.. بعد إغلاق أغلب مدارس الوطن ورغم أن لجان تنقيح المناهج.. وإعادة النظر في الخطط التعليمية.. والمؤتمرات التربوية قد تفوق ميزانيتها، ميزانية وزارة التربية برمتها.
لا يزال بداخلنا مثل ذلك ويزيد.. من تراكمات تثيرها ولا تطال أعماقها.. حوادث من مثل حادثة النائب “الشريعان” أو مناظرات المادة الثانية من الدستور.. أو قضية تعويض المواطن عما أصابه من مأساة الاجتياح والاحتلال.
وستبقى قضايانا معلقة ولا شك.. ما بقي إصرارنا على رداء القبيلة.. خاصة وأن الدس للنائب “الشريعان” بمنطق القبيلة.. وإثارة الحادثة على طريقة مجلات الفضائح الفنية.. أسهل بكثير من السيطرة على مناقصات السلاح المجنونة.. واغتيال “حمد الجوعان” بذات المنطق أيسر من تعديل هرم التعليم المقلوب.. ومنع الحفلات و”الرقص والمجون”.. هو بلا شك أمر سهل.. مقارنة بحماية المال العام.. والمطالبة بإقرار ميزانية رشيدة للوطن وأسلوب الديوانية في الاستهزاء “والردح” على صفحات الجرائد.. هو أكثر متعة وإثارة من طرح المواضيع والقضايا المصيرية.
لقد وصل الأمر بالمواطن.. في ظل الأوضاع القائمة.. إلى حالة من فقدان الثقة بكل ما يطرح.. وبكل من يطرح.. فلم تعد الخلافات تعني شيئاً بالنسبة للمواطن. شأنها شأن الاتفاقات.. جميعها غير حقيقية ومفتعلة. وتهدف إلى أغراض ونوايا أخرى. ذلك بالتأكيد هو الحال الذي أصبح عليه أكثر المواطنين.. مما جعل البعض دوماً يجتهد في البحث عن جانب خفي قد يعكس الحقيقة لكل ما يثار.
لعلّ الأمر المحزن.. والمثير للقلق في آن واحد.. أننا جميعاً نستمتع بنزعة القبيلة في داخلنا.. وجميعنا يلجأ إليها حين تقف القوانين عثرة في سبيل تحقيق غرض ما.. فجميعنا نتحايل للحصول على إجازة قيادة.. ونستنجد بمنطق القبيلة لنتخطى الطوابير في الوزارات والمستشفيات وكافة مرافق الوطن.. بل وحتى التعليم طاله ما طاله من منطق القبيلة. الخلاف في مجتمع القبيلة يعني قطيعة إن لم يكن حرباً. لكنه في مجتمع الدولة يعني اختلافاً.. قابلاً للنقاش والتنقيح.. بل هو من علامات النضج السياسي لمجتمع ما. والتعامل العاطفي.. مع ما يثار من قضايا.. أو التذرع بحجم الوطن.. وطبيعة المخاطر المحيطة به.. واستخدامها كذريعة للابتعاد.. والحد مما قد يثير الاختلاف. هو دليل قاطع على أننا لا نزال نعيش بمنطق القبيلة.. ونطرح أمور المجتمع.. وقضايا الوطن المُلحة.. بمفهوم الديوانية.
لا نستطيع أن نمضي دوماً في التحجج بمساحة الوطن الصغيرة كذريعة لخفض الصوت عند الاختلاف.. وطأطأة الرأس لاحتواء الأزمات.. وبعثرة الأموال فيما بيننا لإخفاء المشاكل. فقد يكون ذلك أمراً سهلاً ويسيراً بمنطق الديوانية.. إلا أنه وبكل تأكيد.. لا يعكس مظهراً حقيقياً للدولة.. وشتان ما بين الديوانية والدولة.. فلو كنا الأولى.. لما هب العالم حرصاً منه على استمرار وجودنا فوق خارطته الجغرافية والسياسية. فقد حدث ذلك فقط.. لأن العالم تعامل معنا بمفهوم الدولة ولكن يبدو أننا قد عجزنا وحتى الآن.. على أن نتعامل مع أنفسنا بذات المنطق والمفهوم!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى