
الإجماع على رفض قانون محاكمة الوزراء.. والذي خرج به مجلس الأمة في جلسته الأخيرة.. هو بالتأكيد خطوة ثابتة نحو الخروج بالوطن من دائرة الديوانية والقبيلة إلى بناء الدولة بالمفهوم الحضاري.. والمواطن ولا شك كان رائداً لتلك الخطوة بما شكله رفضه للقانون من أداة ضغط سواء على الحكومة الممتنعة.. أو بعض النواب الذي كان ترددهم متوقعاً. دور المواطن ولا شك ترجم درجة الوعي التي أصبح عليها ابن الوطن.. بعد أن أنضجته الأحداث الساخنة التي عبر بها الوطن بأبنائه.
أهمية حضور المواطن.. في كل ما يخص الوطن من قضايا لم يعد خياراً.. ينشغل به من ينشد مستقبلاً سياسياً أو قيادياً وحسب.. كما ولم يعد انشغال الكثير بقضايا الوطن قصراً على المنظرين والعالمين بالمصطلحات السياسية التي تمتلئ بها كلمات البعض.. والتي غالباً ما تجعل الآخرين يتراجعون حرجاً.. من عدم القدرة على مجاراة تلك المفردات والنظريات..
كلمة “سياسة” خرجت من إطارها وتعريفها التقليدي السائد عموماً في وطننا العربي.. ومن كونها قصراً على من بحوزتهم صنع القرار، إلى مرادف لكل ما يمس المواطن من أمور شتى. فالتعليم سياسة، والتطبيب سياسة، والكتابة سياسة، وتنظيم الأسرة سياسة، والمساهمة في الندوات وإلقاء المحاضرات.. وإدارة الندوات.. على اختلاف مواضيعها كل ذلك سياسة، طالما أنه يؤدي إلى التأثر أو التأثير بالمجتمع وأفراده.
لا شك أن أبرز إيجابيات الغزو تكمن في درجة الوعي التي أصبح عليها المواطن، وإدراكه بأن السياسة ليست حديث النخبة، وأن التفاعل مع القضايا، سواء كانت داخلية أم عالمية، هو حق وواجب في آن واحد.. خاصة بعد أن لقنتنا محنة الغزو.. وفرج التحرير درساً في مدى ترابط القضايا وتداخلها.
لعلَّ الجلسة الأخيرة لمجلس الأمة، والتي تم فيها إلغاء القانون بمرسوم الخاص بمحاكمة الوزراء، هي الأولى من نوعها، والتي اقتحم فيها المواطن برأيه وتصوره قاعة البرلمان.. بل وبدون الوسيط ممثلاً بالنائب البرلماني. المواطن يفرض كلمته مؤكداً بذلك على أن الأمة حقاً هي مصدر السلطات جميعاً.
في خضم الغبطة من التفاعل الجماهيري لقضية هي في جوهر مستقبل المواطن وأولاده، كما هي في مستقبل الوطن ووجوده، كدولة ذات سيادة ورفاه.
في خضم ذلك التفاؤل.. يخرج علينا أحد أبناء الوطن ممن يتوسم بهم تنمية ذلك الوعي واستثماره.. يخرج بنقده اللاذع للمواطن في هذا الوطن.. وبكونه على قدر من السذاجة التي تجعله أعجز عن فهم الحياة ناهيك عن المساهمة وأداء دور في الوطن.. وقد جاء ذلك النقد في ندوة ناقشت مسار الصحافة الكويتية.. والتي يراها ذلك المواطن أنها أعجز عن معالجة قضايا الديمقراطية.. أو حتى أي قضية أخرى!! متهماً في سياق حديثه بأنها – أي الصحافة في هذا الوطن – أصبحت مفتوحة لكل من هب ودب.. ولكل من ينشد شهرة أو مالاً أو معرفة. ومن كون نوعية الناس التي تقبل أن تعمل في الصحافة.. هي نوعية من الدرجة السابعة أو الثامنة.. وتلك مسألة لا نعلم حقاً علاقتها بالمساهمة الصحفية، أو حتى المساهمة بالرأي لفظياً، وما إذا كانت قيمة الرأي وصلاحيته تتأثر بالمكانة الاجتماعية أو الاقتصادية أو العلمية!!
المواطن الذي دفعه التفاعل مع قضايا الوطن.. خاصة في أعقاب مأساة الاحتلال، التي ولا شك قد أثارت حماس الكثير من أبناء هذا الوطن للمساهمة الصحفية.. وهو حماس لم يحركه ولا شك كون الصحافة ملجأ الشهرة والمال والمعرفة.. على حد تعبير السيد المواطن في ندوة الصحافة.. فذلك أمر كان قائماً ودماً وليس وليد الساعة.. إلا أن الأمر الذي استجد.. هو إدراك المواطن لضرورة التعامل والتفاعل مع ما يحيط الوطن من قضايا.. بل والأكثر من ذلك إصراره على أداء الدور المنوط به كفرد داخل المجتمع، وإدراكه لذلك الحق الذي كثيراً ما كان مغيباً بسبب تفرد أمثال ذلك المواطن وطبقة النخبة في هذا الوطن.
مشكلتنا دائماً كانت في تلك النخبة التي شيدت أسواراً عالية وأبواباً بأقفال في وجه الرأي البسيط من المواطن البسيط.. الذي إن لم تدخل في حديثه مفردات من مثل “أيديولوجية” و”ميكيافيلية”.. و”استراتيجية”.. إلخ.. إن لم يشتمل حديثه على مثل ذلك المفردات، فإنه حديث من الدرجة السابعة أو الثامنة.. يصلح أن يطرح في ديوانية.. أو مجلس.. لا على صفحات الجرائد.. أو ندوات النخبة.. وحتى لا تصطدم أسماعهم بالحديث النشاز.. الخارج عن الطارئين على السياسة وأحاديثها!!
وأخيراً لا آخراً.. يكفينا قولاً أن أولئك (البسطاء والسذج) الذين (لا يعرفون الكثير حتى في أمور الحياة الدنيا).. هم الذين استشهدوا.. وأُسروا.. وعُذبوا.. وتفجرت وطنيتهم إبان الغزو رصاصاً ودوياً.. وتفاعلت أقلامهم فيما بعد التحرير حباً.. وإخلاصاً لهذه الأرض.. لا يشوبه طموح لحال ولا لشهرة ولا لمعرفة..
لذا، فقد تكون العشرة بالمائة كما أفادنا المواطن الناقد.. هي التي تتصف (بالقدرة والإبداع والإمكانات الإنسانية).. إلا أن التسعين بالمائة المتبقية من أفراد هذا الوطن.. هي التي تمارس النقد بإخلاص.. وترفع القلم حباً لا طمعاً.. وأخيراً تكتب دون أن يكون الهدف شهرة ولا صيتاً.. ولا حتى اسماً لامعاً تُفتح له الأبواب!
