غير مصنف

ديمقراطية درء المخاطر

[جريدة الطليعة 8/3/1994]

لعلّ الجدل الحقيقي الذي أثارته قضية النائب خالد العدوة.. هو جدل بشأن مصير الديمقراطية.. وحقيقة الالتزام بها كنهج يضمن مزيداً من التنافس الحر والتسامح وصورة التعايش بين المختلفين.. إضافة إلى قضية هامة هنا لا تقل جدلية.. وهي في مفهوم الديمقراطية لدى التيارات الدينية.. وحركات التأسلم السياسي وعما إذا كان بالإمكان تطوير “الشورى”.. وإحياؤها من خلال ديمقراطية العصر الحديث خاصة وأن هؤلاء يصرون على البقاء رهن تصور مثالي للعالم الإسلامي من خلال إحياء حضارة الماضي الإسلامية.. وما إذا كان ذلك اجتهاداً من قبلهم يدعو إلى اجتهاد مماثل في أمور دينية أخرى؟!
النائب خالد العدوة.. هو من أكثر المطالبين بإعادة تطبيق الشريعة تماماً كالصورة التي كانت عليها في بداية الدعوة المحمدية.. دون الاصطدام بمشاكل وقضايا العصر الحديث.. ودون المرور عبر المعارك الفكرية.. والصراعات الأيديولوجية القائمة دوماً. إلا أن النائب الفاضل قد اضطر إلى أن يلجأ للديمقراطية الحديثة للخروج من مشكلة رفع الحصانة عنه.. وتعريضه بالتالي لحكم القضاء الوضعي مما أعاد التساؤل عن حقيقة التمسك بالإرث الإسلامي.. خاصة في أمور السياسة والاقتصاد.. محور الحياة البشرية. الإسلام ولا شك هو من أكثر الأديان السماوية التصاقاً بالحياة البشرية.. فهو دين لا شك نظم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.. وانطلاقاً من هذه الرؤيا اتسم الإسلام بصلاحيته لكل زمان ومكان، وصفة الصلاحية هذه هي مثار الجدل بين فريقين.. فريق يرى في صلاحية الدين لكل زمان ومكان.. تأكيداً على وجوب التطبيق الحرفي للقوانين الإسلامية.. وفريق آخر يرى أنها تعني قدرة البشر على التحليل والفهم العصري مما سنه الإسلام من قوانين.. دون انتقاص منها.. وهو ما لجأ إليه النائب خالد العدوة.. في احتكامه للديمقراطية.. والتي هي الصورة العصرية والحديثة للشورى الإسلامية.
الدين ولا شك.. هو اللبنة الأساسية في تنظيم أي مجتمع كان.. والدين الإسلامي على وجه الخصوص.. وكما ذكرنا آنفاً.. من أكثر الأديان السماوية التصاقاً بالحياة اليومية للبشر. فهو ينظم أدق العلاقات البشرية.. بما فيها العلاقات الخاصة كعلاقة الأزواج.. وعلاقة الآباء بالأبناء.. وأحكام الوراثة.. وغير ذلك من أمور.
وعلى الرغم من أن تلك العلاقات قد جاء تشريعها الديني واضحاً.. إلا أن كثيراً من ملامحها قد رضخ للمتغيرات الحياتية.. دون أن يطال ذلك التغيير أساس العلاقة كما وردت في النص الديني. ولعلّ أكثرها وضوحاً.. علاقة الفرد بما ملكت يمينه F ﵟوَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ٢٩ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡـرُ مَلُومِيـنَ ٣٠ﵞ ﵝالمَعَارِج : ﵙﵒ – ﵐﵓﵜ a الحـق الشرعي في (ملك اليمين) لم يسقط من النص الديني.. وما زال ذلك مسموحاً به ومصرحاً به دينياً إلا أن ما أسقطه من حياتنا وألغاه من علاقتنا البشرية.. هو في كونه أمراً لا يمكن قبوله الآن ولا يتفق مع أمور كثيرة.. فتدرج الامتناع عن (مُلك اليمين) مع تدرج العلاقات البشرية على مر العصور.. وجاء الاجتهاد البشري.. ليكمل إراشادات النص بكفارة عتق اليمين أيضاً من الأمور التي ألغاها تدرج العلاقات البشرية في المجتمع ما يخص النساء اللا محصنات.. F ﵟفَإِنۡ أَتَيۡـنَ بِفَٰحِشَةٖ فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِﵞ ﵝالنِّسَاء : ﵕﵒﵜ a وهو أمر لم يعد قائماً.. مع آراء الحرية الحديثة.. ومبادئ حقوق الإنسان.
أمور كهذه لم تلغ من الدين.. ولا من النص القرآني وذلك بالتأكيد لقدسيته وحرمته.. فالقرآن أكمل من أن يضيف إليه أو يغير فيه بشر.. حيث أنه يحوي ما أنزل إلى رسول الله من نصوص تُعد ثابتة تاريخياً وعقائدياً.. لكن العقل البشري.. هو الحقيقة غير الثابتة.. وتأويل النص وفهمه بروح المرحلة والعصر الحاضر.. هو بلا شك الحصن المنيع الذي يحفظ للنص الديني قدسيته.. والاجتهادات البشرية كانت دوماً تسعى إلى فهم أعمق للنصوص الدينية.. والخروج بدلالات نافذة قابلة للتطبيق. ولكن الاجتهادات البشرية لا تملك قدسية النص.. وتأويلها لا يرقى إلى ثبات النص الديني.. فقد تدرجت بحسب الوقائع التاريخية والاجتماعية القائمة. وقد كان لهذه الاجتهادات روادها سواء في تاريخنا الإسلامي العريق.. أو في تاريخنا الحديث.. من أمثال محمد عبده.. والأفغاني.. وقاسم أمين.. وغيرهم كُثر. لقد كان تفسير وتأويل نصوص دينية كثيرة أمراً سهلاً أيام رسول الله c.. فأسباب نزول الآية كانت تحمل في إطارها تأويلاً واضحاً لها.. هذا بالإضافة إلى كون رسول الله بينهم آنذاك يحتكمون إليه فيما يعجز عنه عقلهم.
أما الآن فإن رواد الفكر الديني وسادته يتجاهلون الاجتهاد والتأويل في مسائل مثل (ملك اليمين) و(عتق الرقبة).. لكونها أموراً لا تصطدم بأغراضهم ونواياهم.. على الرغم من أن تساؤلات مثل هذه.. يستخدمها المعادون للإسلام دينياً كحجة على عدم المساواة.. والعبودية في الإسلام.. وهي بذلك تستحق منا جميعاً ولا شك جهداً أكبر… للرد على منتقدي الدين الحنيف لكن رواد الفكر الإسلامي الحديث يتجاهلون.. ليس جهلاً بها.. وإنما لكونها تتعارض مع مصالح تمسهم مباشرة.. كان يؤدي الاجتهاد في (ملك اليمين) إلى اجتهاد آخر في حكم الزوجات الأربع.. خاصة وأن ذلك أمر لا يزال ميسوراً في زمننا هذا!!
نحن ولا شك.. نملك مصدراً للتشريع.. وتنظيم المجتمع تعجز أن تصيغه عقول البشر.. بل إن في النص الديني دعوة صريحة للاجتهاد وإعمال العقل.. ومسايرة ما يستجد من أمر.. وذلك من خلال أسلوب التدرج في سن القوانين.. وفي فرض الفرائض.. وتشريع الأحكام.. وقد جاء ذلك التدرج في أمور كثيرة.. فالخمر حُرمت على ثلاث مراحل.. والصلوات الخمس فرضها العزيز الحكيم بالتدريج.. وهو ما يحمل في إطاره دعوة إلى وجوب الاجتهاد والتفكير.. خاصة في ما ينظم حياة البشر فيما بينهم. ونعود إلى حيث بدأنا بالنائب خالد العدوة.. فنقول.. إن الضرورة التي سمحت بتطوير الشورى الإسلامية لتصبح ديمقراطية علمانية.. تفتح له باباً واسعاً يطالب من خلاله بتطبيق ديمقراطية الشريعة بكل حرية.. ويجهر برأيه مدافعاً عن قضايا خاصة وعامة.. هذه الضرورة هي أولى خطوات الاجتهاد البشري.. وإذا كانت الضرورة ودرء المخاطر بحسب مفهوم دعاة تطبيق الشريعة أمراً جائزاً.. ومباحاً في سبيل تأويل مسائل في الإسلام كالحاكمية في الإسلام مثلاً.. وأسلوب الحكم في الدولة.. فإن ما ينطبق على هذه المسائل.. لا بد وأن ينطبق على أمور هي أقل تأثيراً على المجتمع بأكمله.. لتشملها الضرورة ذاتها التي أباحت الاجتهاد لدى النائب “العدوة” في أن يطور الشورى الإسلامية.. لتصبح الديمقراطية العلمانية الحديثة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى