غير مصنف

“لا شيء يهم بعد أن انحنت الرأس”

[جريدة الطليعة 23-29/3/1994]

في المرحلة الأخيرة. بدت أكثر التساؤلات رواجاً وإلحاحاً في ساحة الوطن السياسية.. وما يتعلق منها بحقيقة ما يثأر عن التغيير الوزاري. أو كما يتصور البعض أنه لا يتعدى عملية تدوير لبعض الوزارات.. في حين يذهب البعض الآخر إلى كونه تمهيداً لحل محتمل للمجلس الحالي. ولا تخفي تلك التساؤلات دهشتها من الأسباب التي تدعو إلى خلق مثل هذا الجو المشحون بالتوتر والإثارة والقلق. في مرحلة نحن أحوج ما نكون فيها لاستقرار وأمن وأمان سياسي.. بعد شحنات الإثارة والتمزق والتململ. والتي بدأت منذ صبيحة ثاني أيام أغسطس عام 1990!!
ومهما جاء حجم المفاجأة التي يبدو وأن الجميع قد بات متأهباً لوقوعها.. سواء كان ذلك على المستوى الوزاري. أو طال المؤسسة الديمقراطية ممثلة بالمجلس. مهما كان حجم المفاجأة فإنها وبدون شك حصاد لحرث طال ربّه والوقوف على نبته وبذره.
كلنا ولا شك نذكر جيداً الأحداث التي تلوّن بها نصف العام الماضي.. وبداية العام الحالي.. والتي جعلتنا جميعاً نبدو كمتتبعي الأثر. والضاربين في الرمل الباحثين عن سر اللغز.. تماماً كالذين نشاهدهم في الروايات البوليسية.. ومسرحيات الجريمة وحل اللغز.
فعلى الرغم من مساحة المجتمع الضيقة والمتلاصقة وبالرغم من العلاقات المتشابكة والمترابطة بين أفراده وهو أمر يجعل من عمر الفضائح الاجتماعية ذات الطابع الأخلاقي عمراً قصيراً إلا أننا وجدنا أنفسنا وللمرة الأولى. في مواجهة مزيج من التهم والفضائح الموجهة إلى أفراد.. استطاعوا في عمر الحرية والديمقراطية القصير أن يؤسسوا منهجاً وطنياً من خلاله وأن يستحوذوا على تأييد فئات كثيرة من المجتمع.
كلنا ولا شك يتذكر نماذج لتلك الفضائح الأخلاقية في الفترة الأخيرة، والتي كان أكثر ما يميزها.. التصاقها دوماً بمن هم في دائرة الضوء وبمن يفترض فيهم صيانة وحفظ إنجازات الوطن الديمقراطية، وجميعنا أيضاً يسترجع ردود الفعل تجاه تلك الفضائح، ودهشة المواطن من أسلوب إثارتها الذي لم يعهده هذا الوطن من قبل، ثم ومن بعد ما شاب رموز التمثيل النيابي في الوطن من شوائب.. غرق المجلس برمته في جدل عقيم حول قضايا هي أبعد ما تكون عن قضايا الوطن الملحة. وأصبحت جلسات طوال تعقد لمناقشة شكوى الطالبات والنقاب أو حق الطلبة في المعونة الجامعية، بينما يرتجل قرار تعزيز ميزانية الدفاع ارتجالاً ويعبر قرار المديونيات الصعبة مخلفاً وراءه ما أثار من جدل وغبار!!
الآن، وبعد أن أشرف العام الثاني من عمر المجلس على الانصراف.. وبعد أن عجز أن يخرج بقول أو قرار لقضايا ما زالت تضرب عميقاً في مستقبل وحاضر الوطن.. تأتي ردود فعل المواطن.. لما يشاع حول احتمالات حل المجلس.. بطيئة متناقلة.. بعد أن أيقن أن ما يقلق نوابه الذين حرص على ترشيحهم ليكونوا صوتاً ولساناً له فيما يصاغ من أمور وقوانين. إن ما يقلقهم لا يمت بصلة لا لحاضره كمواطن ولا لمستقبل الوطن بأكمله.
لا ينكر أحد أن عبء الإصلاح.. خاصة في أعقاب كارثة الوطن. هو عبء ينوء بحمله مجلس واحد أو حكومة واحدة. خاصة وأن ما أثاره غزو الوطن من تبدل في أولويات الإصلاح قد خلق تناقضاً بين المطلب الشعبي.. والرأي الحكومي وقد ترجمت الآراء المطروحة.. سواء على صفحات الجرائد أو في المنتديات.. أو حتى في الديوانيات.. حقيقة ذلك التباين.. في المواقف الشعبية والرسمية.
وقد استبشر المواطن خيراً مع عودة المجلس خاصة بعد أن وصل إلى قبة البرلمان نخبة تمثل تيارات وتوجهات مختلفة.. وتأمَّل المواطن بذلك أن تصيغ تلك النخبة مطالبه وأن تكون أمينة على تمثيلها له.. ولم يتحقق شيء من ذلك. وكما يقف الجميع شاهداً الآن. لأن الحكومة بما لها من باع وخبرة طويلة في المراوغة، استطاعت فعلاً أن تهزم لا أن تتعاون وتتعامل مع (مجلس النخبة) فتحول المجلس بتياراته المختلفة والتي كانت محط ترحيب من المواطن في البداية.. لكونها تيارات تمثل المجتمع بفئاته وتوجهاته المختلفة. ولكون ذلك يعتبر صيغة مثالية لتعميم النهج الديمقراطي في المجتمع. تحول النقاش والتعاون بين تلك التيارات إلى ساحة صراع وتصفية تركات ثأر، أنست النواب الكرام سبب وجودهم تحت قبة البرلمان أساساً.
لعلّ المحزن المبكي، أن سهام المتصارعين في المجلس قد أصابت أول ما أصابت المواطن الذي أئتمنهم لتولي مطالبه.. وبحيث لم تفقده صراعات المجلس الداخلية ثقته بالمجلس وبجدوى التمثيل.. وحسب، وإنما كذلك أفقدته ثقله كمواطن له مطالب مشروعة في شارع الوطن السياسي. فالمجتمعات الديمقراطية تستقي قوانينها وتشريعاتها بمساهمة الشارع من حولها. والذي يبقى نقله وأهميته أمراً محسوساً ومحسوباً في إعداد أي مشروع أو قانون. أما الآن وبعد الأداء (المتميز) للمجلس وأعضائه فلا حاجة به لثقل المواطن ولا لدعم الشارع من حوله.
فإذا كنا فيما سبق نلمس ردود فعل لما يثيره المواطن من قضايا.. ونستشعر اهتماماً لما يجول في ذهنه من مشاكل. فإن الأمر لم يعد كذلك الآن.. بعد أن انحنت الرأس. فاجتثت… فطبيعة الحال دوماً في القتل.. أن تكون البداية بالرأس فمتى اجتثت الرأس لن يهم بعد ذلك إن بقيت يد نابضة.. أو ساق دافئة!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى