
إذا كنا فيما مضى نتندر فيما بيننا.. عن واقعنا في هذا الوطن من مفاهيم كمفهوم الدولة على سبيل المثال.. وذلك لحجمنا الجغرافي الصغير.. وللندرة البشرية خاصة إذا ما كانت المقارنة بيننا وبين دول الجوار. إذا كنا فيما مضى نثير مسألة الدولة فيما يشبه الدعابة.. فإن الأمر الآن قد أصبح مُلحاً بصورة مثيرة ومقلقة في آن واحد.. خاصة بعد أن أصبح هناك سابقة تاريخية تمثلت في إلغائنا كدولة ذات كيان مستقل.. وذلك في أعقاب غزو النظام العراقي للوطن.. لقد أصبحنا الآن بحاجة ضرورية إلى التأكيد على كيان “الدولة”.. بالمفهوم الحديث.. والذي أصبح ولا شك مهدداً بفعل أحداث كالتي جرت مؤخراً من حيث التعديل الوزاري.. وإن كنا هنا لا نعني مسألة التعديل بذاتها رغم ما تطرحه من تساؤلات.. وإنما المقصود هنا.. هو الأسلوب الذي تم من خلاله التعديل… من استقالة للوزارة.. مصحوبة بجو من الغموض والإشاعة.. إلى تلويح بما يشبه التهديد بحل مجلس الأمة.. وغير ذلك من إثارة لقضايا هي في صلب وأساس تكوين الدولة كنظام سياسي. وهي في مجملها أمور ولا شك أصبحنا بفعلها نزداد ابتعاداً عن الدولة كمفهوم يضم في إطاره شعباً.. وأرضاً.. وسلطة. فمن بين كل التعريفات الحديثة والقديمة التي يضمها القاموس السياسي. لم أجد ما يتفق ومفهومنا السائد والقائم الآن في هذا الوطن للدولة ككيان لخدمة كل المصالح الدائمة والثابتة للمجتمع!!
لقد أصبحنا في هذا الوطن.. خاصة في أعقاب التحرير وولادة المرحلة الجديدة.. أصبحنا في مواجهة مهمة شاقة وإن كانت لا تخلو من كونها فرصة تاريخية.. محاولة نظام بغداد إلغاء الوطن كدولة.. لم تخلُ من الملامح الإيجابية والتي جاءت من خلال تحرير الوطن وإعلانه دولة بشهادة المجتمع الدولي بأكمله. ولم تعد هذه البقعة الصغيرة من الأرض.. إفرازاً لعوامل جيولوجية حبتها بثروة نفطية وحسب.. وإنما نتيجة لنضال ومقاومة وإصرار من قبل المواطن على التمسك بكيانه وأرضه.
لقد اعتبر العالم.. لا نستثني منه عالمنا العربي.. اعتبر دول المنطقة بما فيها الوطن.. كيانات أرساها وأنشأها الاستعمار فيما مضى بناء على مصالح مشتركة بين الشركات الغربية آنذاك وبعض أصحاب النفوذ الاجتماعي في المنطقة.. وهي بذلك لا تملك مقومات الدولة بالمفهوم الصحيح.. والتي ترى أكثر التعاريف القاموسية للدولة أنه تطور ككيان سياسي أو عسكري أو اجتماعي في البداية.. قبل أن تسعى تلك الدولة- عن طريق التنافس والحرب – إلى الحصول على الاعتراف القانوني بوجودها. أو كما يرى “جاكسون وروزبرغ” في تحليلهما لفكرة الدولة عام (1985).. من وجوب توافر العناصر المجتمعية والإدارية الكفيلة بجعل الدولة حقيقة.. قبل الظهور بالمفهوم القانوني أولاً. لقد كانت فرصتنا التاريخية في هذا الوطن.. للخروج من ذلك التعريف الذي التصق بنا ككيان لا يملك مقومات الدولة بمفهومها الصحيح.. فرصة أثمن من أن يفرط بها. فالعالم بأكمله يصر على الاعتراف بنا كدولة بالمفهوم الحديث.. تدين بالديمقراطية وحرية البشر.. اللذين أصبحا من الملامح الأساسية في تعريف الدولة.. وبينما العالم يصر على ذلك.. يُصر في المقابل أن نتعامل وندير الدولة بمفهوم القبيلة.. والعائلة.. والملكية الخاصة!! وهو ما ميز ولا شك أحداث الاستقالة الوزارية الأخيرة!!
لعلّ ما يثير القلق حقاً في كل ما حدث أن مجلس الأمة.. بما يحمله من عبء تمثيل للوطن.. قد ساهم إلى حد كبير في ترسيخ مفهوم العائلة والقبيلة في إدارة الدولة!! فحالة التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.. والتي لا يخلو حديث من التأكيد على وجوبها.. بل والتهديد بفشل مهام كلا السلطتين في حال عجز إحداهما عن التعاون.. والذي وصل إلى درجة من (الذوبان) الذي يقطع الطريق على المجلس للإدلاء بأي انتقاد أو رأي بشأن الأداء الحكومي.. حالة التعاون هذه تعكس مفهوم التحالف والتشاور القبلي.. والذي يؤدي الفشل فيه إلى القطيعة والانفصال.
الكل ولا شك يساهم في المزيد من الابتعاد عن مفهوم الدولة الحديثة.. فالسلطة تساهم من خلال محاولاتها المستمرة في تهميش المشاركة الشعبية سواء من خلال التركيز على سلبيتها.. أو من خلال انتقادها اللامباشر لأداء المجلس.. والإيحاء المستمر للمواطن بفشل المجلس وعجز النائب الذي انتخبه عن معالجة قضاياه ومشاكله.. والدخول في متاهات الجدل لقضايا هامشية. والمجلس بدوره.. وبصفته التمثيلية للمجتمع بأسره.. يُصر على أن يلعب دور “موظف الدولة” الحريص على الحفاظ على مكتسباته الوظيفية.. والتأكيد على روح الأسرة الواحدة.
الدولة في مفهومها الحديث.. هي علاقة بين شعب أو مجتمع.. وسلطة أو نظام.. على بقعة محددة من الأرض.. ومن خلال تلك العلاقة يتم تنظيم الشؤون أياً كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية.. والعلاقة بكل تأكيد لا تعني تبعية.. كما ولا تستوجب الانسجام التام والدائم.. وإلا لما كانت هناك حاجة لسن قوانين ومفاهيم لتنسيق وتنظيم تلك العلاقة.
