
الديوانية بلا شك.. هي إحدى اللبنات الأساسية في تكوين المجتمع الخليجي بوجه عام.. وفي هذا الوطن بوجه خاص.. ومهما اختلفت الآراء وتعددت حول دور الديوانية الحقيقي في التأثير والتأثر بقضايا الوطن على اختلاف ألوانها وأوجهها.. اجتماعية كانت أم اقتصادية أم سياسية.. فإن للديوانية جذورها العميقة الراسخة في التركيبة المجتمعية.. والتي من الصعب اقتلاعها.. أو إلغاؤها!!
بل وعلى العكس من ذلك.. فإن الديوانية هي البنية المجتمعية الوحيدة التي لم يدركها الاختلاف الفكري والتفاوت العمري والزمن بين الأجيال.. والذي عادة ما يربك بعض الأعراف والتقاليد الاجتماعية فيؤدي إلى إلغائها أحياناً أو تطويرها بدرجة تفقدها نشأتها وشكلها الابتدائي!! وبسبب تلك الجذور العميقة للديوانية.. فإنها تضم فئات المجتمع من الذكور على اختلاف أعمارهم.. وتوجهاتهم ومهنهم.. ودخولهم الاقتصادية!! بل لقد أصبح من المألوف.. أن يتدرج بعض الشباب الصغار في بناء ديوانيتهم.. قبل الانتقال إلى الديوانية الأكبر.. والتي تمتلئ بشرائح المجتمع بصورته العامة وبفئاته المختلفة!!
وعلى الرغم من أن الديوانية.. هي صورة من صور المجتمع الخليجي بوجه عام.. إلا أنها ولا شك أكثر بروزاً في المجتمع الكويتي!! ويعود ذلك بطبيعة الحال إلى الروح الديمقراطية التي تُميز هذا الوطن!! وهو أمر يجعل من الديوانية في بعض الأحيان منتدى ثقافياً.. وفكرياً.. وسياسياً.. وليس مجلساً لتبادل الأحاديث وحسب!! وكما يتبادر لأذهان البعض.. وخاصة من الشريحة الأنثوية في المجتمع.. والتي ترى أن الديوانية قد أخلت بالعلاقة الأسرية.. وباعدت بين أفرادها.. وقلصت من دور الأب في إدارة الأسرة.. وذلك في مقابل ازدياد أعباء الأم!! وهو أمر يحوي بلا شك جانباً كبيراً من الحقيقة في ما يتعلق بالعلاقة الأسرة في هذا الوطن.. إلا أن الديوانية ليست سبباً في ذلك!! وإنما الخلل في العلاقات الأسرية يعود إلى أسباب كثيرة.. لا يتسع المجال هنا لذكرها!!
الديوانية بلا شك تعكس وجهة نظر الشارع وتوجهاته.. ورؤاه لأمور كثيرة!! أولاً لكونها تحوي مزيجاً من فئات المواطنين على اختلافهم!! وثانياً لكون مجتمعاتنا الخليجية عموماً.. لا تزال في طور نشأة الدولة بالمفهوم الحديث!! ولا يزال فيها مفهوم السلطة والنفوذ القبلي هو السائد!! وحيث جرت العادة أن يكون للتنظيم الاجتماعي.. والعرف المتبع.. والمنزلة القبلية ثقل ونفوذ لا يقل عن شرعية الدساتير والقوانين!! وبكون الإجماع على تلك الأعراف وسيلة لخلق حالة من التنظيم والضبط داخل الكيان المجتمعي!!
قد لا نعتبر أن المفهوم القبلي في إدارة الوطن مفهوماً إيجابياً!! وإنما هو محض تنويه للوضع القائم!! والذي يفرض دوراً للديوانية لا يقل عن الواجهة التشريعية للوطن!!
ولعلَّ في حرص وكالات الأنباء المترددة على الوطن.. كذلك السفارات المتواجدة فيه.. حرصهم جميعاً على التردد على الديوانيات.. وخلق علاقة دائمة ومستمرة مع تلك التجمعات البشرية.. ما يؤكد الدور الذي تلعبه الديوانية.. والثقل الذي يملكه أفرادها.. فبما يعبر بالوطن من قضايا!!
ولقد برزت وبشكل واضح أهمية.. وحساسية الدور الذي تؤديه الديوانية في هذا الوطن.. وذلك في أعقاب تجربة الغزو البغيض!! فمن الديوانية انطلقت حملات التنظيم.. وانعقدت بين جدرانها لجان الإدارة المؤقتة للوطن.. وتصاعد الرفض للاحتلال من داخلها!! وعقد الجميع العزم على الصمود في ظل جدرانها!! وأصبحت جميع الديوانيات خلايا للنضال والتصدي ولتحدي نظام بغداد بجيوشه!!
للديوانية في مجتمعاتنا الخليجية دور بارز في صنع القرار.. سياسياً كان أم اقتصادياً.. أم اجتماعياً!! ونحن لا نرمي في هذا المقال إلى البحث في شرعية وجواز مثل هذا الدور!! خاصة وأن ذلك يصب مباشرة في جدلية القبيلة مقابل الدولة الحديثة ولكنها محاولة متواضعة لطرح دور الديوانية في المجتمعات الخليجية!! والتي حاول “فؤاد إسحق الخوري” أن يعود بها إلى أصولها التاريخية في كتابه “السلطة لدى القبائل العربية” في سلسلة بحوث اجتماعية الصادرة عن “دار الساقي” حيث يروي “فؤاد الخوري” رواية عن عيسى بن علي آل خليفة الذي حكم البحرين من سنة 1869 إلى سنة 1923.. أنه كان يقول “مجالسنا مدارسنا” وذلك دفاعاً عن موقفه المعارض لإرسال أبنائه إلى المدارس الرسمية التي أسست في البحرين منذ مطلع القرن العشرين.. وفي هذا القول إشارة واضحة إلى أهمية “المجالس” في اتخاذ القرارات الإجماعية!!
مهما طُرح من نقد لنهج القبيلة في صناعة القرار في مجتمعاتنا القبلية عموماً.. فإن الحقيقة القائمة تطرح نفسها بعنف قائلة بالدور الحساس الذي تؤديه الديوانية.
والمعادلة الواضحة تقول إن الديمقراطية لا تلغي الديوانية.. بقدر ما تجعل من الديوانية مصدراً للسلطات!!
