غير مصنف

“الذين لا يتطورون مع التاريخ”

[جريدة الطليعة 15/3/1995]

لم تهدأ بعد الزوبعة التي أثارها استجواب وزير التربية من قبل ممثلي الإسلام السياسي في هذا الوطن!! وعلى الرغم من أن الاستجواب بحد ذاته عملية طبيعية في ظل المناخ الديمقراطي القائم.. بل يوجبها الأسلوب الديمقراطي في المساءلة والمحاسبة!! وعلى الرغم من أن تاريخ الوطن السياسي قد شهد استجوابات لا تقل حساسية.. ولا أهمية عن الاستجواب الأخير!! غير أن التفاعل الذي شهدته ساحة الوطن السياسية تجاه استجواب وزير التربية قد استطاع ولا شك أن يتجاوز هوامش الخلاف السطحية، ليغوص إلى جذور الخلاف التي دفعت بالاستجواب الأخير!!
فعلى الرغم من اقتناع الجميع بهزالة الاستجواب الأخير.. وهامشيته!! وعلى الرغم من القناعة التي أصبحت راسخة لدى المواطن.. بالثمن الذي يدفعه الوطن بمواطنيه من جراء أطروحات هزيلة.. ومناقشات عقيمة.. لقضايا لا تتميز بأولوية ولا بأهمية!! غير أن ممثلي الإسلام السياسي لا يزالون على إصرارهم في بعث الروح في القضايا الهامشية.. كلما خبت جذوتها.. وتجاوزتها في الأهمية قضايا حساسة لا يملكون مجابهتها.. ولا استجواب أقطابها!!
المأزق الذي أثاره الاستجواب الأخير.. هو أن أقطاب الصراع السياسي الآن.. هم بلا شك يخشون المجابهة الحقيقية.. لما قد تجلبه من تبعات هم أكثر دراية وعلماً بها!! فالخلاف الذي أثاره أقطاب الإسلام السياسي في هذا الوطن.. ليس خلافاً حول المدينة الجامعية التي لم تر النور.. ولا على موقف وزير التربية من قضية المنقبات.. ولا على إدخال اللغة الإنجليزية للمرحلة الابتدائية.. ولا هو خلاف على معاداة الوزير لخصومه السياسيين.. وإقصائهم من مناصبهم!! الخلاف هو بلا شك.. خلاف مرجعية.. سياسية كانت اقتصادية أم اجتماعية!! وهو بذلك خلاف ليس مع وزير التربية ومناهجه وحسب.. وإنما يشمل كذلك نواحي كثيرة في هذا الوطن!! خاصة وأن أقطاب الإسلام السياسي يرون في أسلوب الحياة القائم الآن.. جاهلية حديثة.. لا بد أن يأتي تقويمها بالاحتكام إلى النصوص القرآنية!!
هو إذاً صراع بين جاهلية حديثة.. وحاكمية لا تقل حداثة!! فالاحتكام.. حتى وإن استند إلى القرآن الكريم.. سيكون إلى رجال الدين!! فدورهم كان وسيبقى أساسياً في تفسير النصوص الدينية!! وهم على ما نتصور جميعاً.. ليسوا ملائكة.. ولا بمبعوثين من الله عزَّ وجلَّ.. يخضعون كما يخضع غيرهم لتحيزات وأيديولوجيات.. وأهواء.. مبعثها الطبيعة البشرية التي جبلنا عليها جميعاً!! وتلك طبيعة حذر منها القرآن الكريم.. وأشار إليها في أكثر من نص.. F: ﵟهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٧ﵞ ﵝآل عِمۡرَان : ﵗﵜ a.
آية تؤكد استحالة الفهم البشري المطلق.. وبالتالي التطبيق البشري المطلق للنصوص الدينية.. فما بين كلمة “الله” وكلمة “الراسخون في العلم” تأتي “قلى” وهي علامة الوقف الجائز مع كون الوقف أولى!! وإن دلَّت تلك الآية على شيء فإنما تدل على حيوية وديناميكية القرآن.. والتي مكنت نصوصه من الصمود وسط كل المتغيرات التاريخية التي عبر بها!! وهي ولا شك ديناميكية بعيدة كل البعد عن التحجر، والجمود الذي يتصف به أقطاب الإسلام السياسي!!
ركز أقطاب الاستجواب الأخير.. على قضية حذف بعض الآيات القرآنية من مناهج التربية!! وهي آيات تحض على الجهاد.. وتشير لليهود بصفتهم أعداء حض الرسول c على محاربتهم!! حيث يرى هؤلاء أن إلغاء الآيات هو تمهيد لمشروع التطبيع مع إسرائيل.. واليهود أعداء الرسول c!! وقد لا يكون المجال هنا فسيحاً للتحدث عن مسألة التطبيع.. حلالها من حرامها.. أو جوازها من عدمه!! وإن كان هناك مجال واسع لتذكير أقطاب التيار الإسلامي.. بأن العداء لليهودية.. مسألة تاريخية.. بالإمكان الاستناد إلى النصوص الدينية لإباحتها.. وكما فعل بعض رجالات الدين.. في الدول التي سبقتنا نحن في هذا الوطن.. نحو رحلة التطبيع!! خاصة وأن هنالك دلالات كثيرة.. أسقطها التطور الاجتماعي والثقافي التاريخي للمجتمعات العربية!! وإن كانت عملية إسقاطها لا تحمل إلغاء بقدر ما تعني تكيفاً مع السباق الثقافي والاجتماعي الحديث.. والذي حفظ للقرآن بآياته مغزاها.. ومكنه ككتاب مقدس من أن يستمر متجدداً بمعناه.. حراً من القصور الفكري للبشر!! فلقد أسقط التطور التاريخي (ملك اليمين) والذي يجيز المعاشرة الزوجية إضافة إلى حق الزوجات الأربع.. وانتهى حكم جلد الجارية.. بنصف عدد مرات جلد الحرة.. حين سقطت العبودية من النظام الاجتماعي والاقتصادي وألغاها التطور التاريخي للمجتمعات الإسلامية!!
أقطاب الإسلام السياسي إذاً.. يدركون ديناميكية القرآن الكريم.. وهم أيضاً مطلعون على قدرته على التلاؤم مع ثقافات وأيديولوجيات.. هي وليدة عصور حديثة.
وهم يعلمون أكثر مما يعلم غيرهم.. أن هنالك دلالات أخرى لاستجوابهم الأخير.. وما سيأتي بعده!! قد يكون آخرها حرصهم على إبقاء العداء للصهيونية قائماً!!
وإذا كان القرآن قد تجاوز بإعجازه حركة التاريخ وتطور وتغير المجتمعات البشرية!! فإنه سيبقى شاهداً على أولئك الذين لا يتطورون مع التاريخ.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى