غير مصنف

حين تمتزج الديمقراطية.. بالتكنولوجيا

[جريدة القبس 22/5/1995]

يتضح للمتابع لأحداث الوطن السياسية، أننا دوماً مصرون على وضع وتحديد إطار متشدد للديمقراطية.. وبحيث أصبحت شأناً سياسياً بحتاً!! وعلى الرغم من أن السياسة هي علم إدارة المعاملات والخلافات بين الأفراد في إطار المجتمع الواحد!! إلا أنها أصبحت ترمز تحديداً للسلطة.. وإدارتها.. وتداولها!! وبحيث جرف ذلك الإطار الضيق للسياسة معه مفهوم الديمقراطية الشامل!! فأصبحنا نتحدث عن الحرية السياسية.. ونحن مكبلون اجتماعياً.. وعن الحرية الفكرية ونحن محاصرون ثقافياً وفكرياً!! وعن الديمقراطية وتعددية الرأي ونحن لا نمارسها إلا في قاعة البرلمان!!
لقد استقر الجهد البشري منذ قدماء الإغريق على اعتبار الديمقراطية الأسلوب الأفضل، لإشراك أكبر مجموعة من المجتمع الواحد في إدارة شؤونه وقضاياه!! وإذا كان الحس والوعي الديمقراطي قد بقيا متراجعين وضعيفين كلما ابتعدنا عن قبة البرلمان واقتربنا من مؤسسات الدولة الأخرى!! فإنه أمر أخذ في التلاشي، خاصة في أعقاب كارثة الغزو!! حيث بدأ المواطن مدركاً لأهمية الأخذ بالأسلوب الديمقراطي في الاستفتاء والتصويت والمشاركة في الانتخاب والترشيح في مؤسسات الدولة والهيئات الأخرى.. فزاد الإقبال على انتخابات الجمعيات التعاونية.. وحمي وطيس المنافسة في جمعيات النفع العام.. وبدأ الحس الديمقراطي والانتخابي في الامتداد إلى خارج أسوار البرلمان!!
نحن الآن بحاجة ماسة، بلا شك، إلى تنمية ذلك الوعي وتعزيزه، باعتباره واجباً تجاه المجتمع والدولة بمؤسساتها.. يبرر لي كفرد المطالبة بحقوق أخرى.. ومما لا شك فيه أن الوعي، بفكرة الواجب، هو في الوقت نفسه إدراك ووعي لفكرة الحق!!
خاصة وأن هنالك مؤسسات كثيرة في الدولة، لا تزال في معزل عمَّا أصاب الحس والوعي الديمقراطي والانتخابي من توسع وتمدد!! فعلى سبيل المثال: تستطيع جهة كمؤسسة الكويت للتقدم العلمي أن تكون رائدة في إثراء وتعزيز ذلك الحس الوطني، من خلال تنوير المواطن والمؤسسات المانحة لها.. بواجبهم تجاه المشاركة في انتخابات المؤسسة!!(1)
[(1) عند تأسيس المؤسسة عام 1976 كان يتم انتخاب أعضاء مجلس الإدارة من قِبَل الجمعية العمومية المكوّنة من الشركات المساهمة الداعمة لها، لكن في عام 2005 تم تعديل نظام الحوكمة وأصبح تعيين أعضاء مجلس الإدارة يتم مباشرة من قِبَل صاحب السمو أمير البلاد.] خاصة وأنها من أكثر المؤسسات التي يرتكز قيامها وإنشاؤها على هدف رئيسي يعمل على نشر الوعي الثقافي في المجتمع الكويتي!! وهو هدف لا يمكن تحقيقه دون أن يكون المجتمع بأفراده وسيطاً ومجالاً له!! فالفرد لا يشترك مع مجتمعه في العادات واللغة والواجبات والقيم وحسب.. وإنما بالأحلام والطموحات والإبداعات!! وهي بلا شك أمور لا يمكن للفرد أن يحققها دون أن يكون المجتمع وسيطاً لها!! وسواء كان ذلك من خلال إبداع أدبي أو لوحة فنية.. أو حتى صفقة عمل أو مشروع تجاري!! فإنها جميعاً تقع ضمن أهداف مؤسسة كمؤسسة الكويت للتقدم العلمي!!
وعلى الرغم من أنها ليست بالمؤسسة الوحيدة التي يقع على كاهلها عبء إثراء الحس الانتخابي والوعي الديمقراطي!! إلا أن اقتراب موعد انتخابات المؤسسة في يونيو 1995.. يتطلب من المؤسسة البدء فوراً بانتهاج سياسة انتخاب جديدة، تدفع بمؤسسة المجتمع إلى قلب المجتمع!! خاصة وأن المؤسسات الممولة للتقدم العلمي هي مؤسسات أهلية يساهم فيها المواطن.. وحق المساهمة هذا هو الذي يفرض على المواطن واجب المساهمة الفاعلة من خلال انخراطه في عمليات كالانتخاب والترشيح للعضوية!!
نشر الوعي الديمقراطي واجب على مؤسسات أخرى كثيرة وإن كان لمؤسسة الكويت للتقدم العلمي حصة أكبر.. فهو لكونها أقرب المؤسسات للمجتمع وللفرد، وكما تنص على ذلك أهدافها المدونة والمسجلة في برنامجها!!
هذا، بالإضافة إلى أنها أكثرها انغلاقاً وانعزالاً عن المجتمع.. وأندرها عطاء، خاصة إذا ما تمت مقارنة عطائها بأرقام ميزانيتها الفلكية!!
وإذا كان انغلاق المؤسسات من مثل مؤسسة التقدم العلمي عن المجتمع يُعد خطأ من قبل تلك المؤسسات، فإن سلبية المواطن تجاه إدراكه ووعيه ودوره في ما آلت إليه أغلب مؤسساتنا العلمية، لا يقل عنها خطأ!! وقد آن الأوان الآن للخروج بتلك المؤسسات من دوائرها الضيقة المختنقة.. ومن روتينها الإداري البطيء إلى حمى الثورة التكنولوجية من حولنا، والتي ما كانت لتتفجر لولا الدور الذي قامت به مؤسسات علمية في مجتمعات أخرى واعية!!
فهل تأتي المبادرة من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي؟! ما علينا سوى الانتظار.. ومراقبة الديمقراطية وهي في حضن العلم والتكنولوجيا.. وذلك في يونيو المقبل حين تمتزج الديمقراطية بالتكنولوجيا.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى