غير مصنف

“وخرجنا.. بلا عشاء”

[جريدة الطليعة 15/11/1995]

انتقد الدكتور “أحمد الخطيب” في كلمته أثناء مناقشة الخطاب الأميري في جلسة مجلس الأمة.. ردود فعل الحكومة تجاه المتغيرات السياسية في المنطقة!! مؤكداً في حديثه خطورة الوضع الإقليمي في المنطقة بوجه عام!! ومخاطر المواقف المتذبذبة والمبهمة في سياسة الوطن الداخلية تجاه المستجدات في المنطقة بوجه خاص!!
قد لا يكون الدكتور “الخطيب” قد أتى بجديد في حديثه.. وإن كان قد أثار بشكل حاد وصريح مشكلة غياب الأجهزة القادرة على تتبع الأحداث السياسية وإعداد الدراسات المتكاملة لتزويد أصحاب القرار برؤوس أقلام تمكنهم من التعامل مع تلك المتغيرات!!
فعلى الرغم من حجم المعاناة والخسائر التي تكبدناها جميعاً ساسة كنا أم مدنيين.. من جراء تجاهلنا.. أو عدم إدراكنا لترابط الأحداث من حولنا وتتابعها!! غير أن شراسة الدرس عجزت عن أن تنضجنا سياسياً!! أو أن تزيد من إدراكنا ووعينا إلى أصول السير وسط تعرجات الموازين والتحالفات المتقلبة والمتبدلة دوماً!!
ويعني الدكتور “الخطيب” بالمتغيرات الراهنة.. ما أصبح يثار مؤخراً حول العلاقات مع دول الضد.. وردود الفعل العربية والخليجية بشأن المصالحة العربية.. وما يجب أن تفعله الحكومة من تأمين صورة واضحة للمواطنين تتعرض بمنطق وعقلانية للصالح العام حول استئناف العلاقات أو عدمها مع الضد!!
بحسب رؤية الكثيرين.. واستقرائهم لتلك المتغيرات فإن الزمن والسياسة والمصالح والجغرافيا والتاريخ كلها لم تعد في رصيدنا الإيجابي!! وكما كانت فيما قبل الثاني من أغسطس وإلى يوم انتصار الحلفاء عند بوابة الحدود العراقية!! تلك مسألة لا تحوي تشاؤماً وإنما أصبحت تقولها كل المتغيرات الراهنة!! وإذا كان حجمنا الجغرافي والسياسي الصغير.. يقف عائقاً حول قيامنا بمبادرات تدفع بتلك الموازين والمتغيرات التي استجدت بشكل إيجابي لصالح هذا الوطن!! فإن الفرصة لا تزال سائحة للسباحة بفن ومهارة في بحر تلك المتغيرات!! وتلك مهارة تتطلب اضطلاعاً بخفايا بحرها العميق وخبرة بموجها الهادر!! نصطاد بها رزقنا ورزق أجيال وأجيال إن نحن أحسنا العوم!!
سياسياً.. فإن ذلك يعني وببساطة.. قراءة متأنية للأحداث من حولنا، ويقينا أكثر بتسلسل الأحداث وتراكمها!! خاصة بعد أن علمتنا – أو هكذا يُفترض – تجربة الغزو القاسية.. أن التاريخ لا يلقي بالأحداث فرادى!! فانهيار الحليف الأكبر للغرب في إيران.. وانتصار (الأصولية الإسلامية).. كان قد دفع بالبيت الأبيض للتأكيد على ضرورة أن لا تخرج إيران منتصرة من الحرب.. وألا تبرز العراق كقوة مهيمنة ومهمة في المنطقة!! فقامت الحرب وباركناها جميعاً!! يومها كان من الصعب إقناع أحد أن حرب (المجوس والعرب).. هي وبال وخراب على كافة الأطراف!! ثم توقفت الحرب.. وتزايد حضور الولايات المتحدة العسكري في المنطقة.. وقام وزير الدفاع الأمريكي في العام 1988 بزيارة إلى عمان، السعودية، الكويت والبحرين للبحث في تطوير (العلاقات العسكرية) مع هذه الدول!! وبينما جاء ذلك تعبيراً عن تخوف أمريكا من خروج العراق (منتصراً) من الحرب!! هتفنا نحن مباركين العلاقات (الصديقة والحميمة) مع دول العالم الأول!!
ثم جاء مطلع العام 1990.. حين طلب ديك تشيني وزير الدفاع الأمريكي التخطيط لمقاومة غزو سوفيتي لإيران باتجاه حقول النفط في الخليج حيث إن أمراً كهذا “لم يعد ينطوي الآن على مصداقية”.. ثم تابع وزير الدفاع قوله إن التركيز يجب أن يكون على “ضمان إمدادات النفط التي قد تتعرض للتهديدات من قوى إقليمية في المنطقة يدعمها الاتحاد السوفيتي”، لذا، ويستمر تشيني في تصريحه، “يجب التركيز على الدفاع عن شبه الجزيرة العربية فهناك لاعبون إقليميون آخرون لديهم قوات كبيرة كالعراق وإيران” وتوالت الأحداث فيما بعد ذلك ليصل الطموح الأمريكي وكما جاء في تقرير عن معهد واشنطن للسياسة الشرق أوسطية.. أنه قد بات الآن على أمريكا أن تعمل على “تشجيع الدول العربية الخليجية على التخفيف من عدائها لإسرائيل”!!
أحداث طويلة جاءت متسلسلة في وقائعها الفعلية كما جاء تسلسلها في حسابات ورؤى واشنطن.. وفي أوراق تقاريرهم وتوصياتهم!! بدأت بإيران كمصدر إزعاج وخطر وتهديد للمنطقة.. وعادت كذلك بإيران من جديد لتكون هي المصدر الذي لا يزال يشكل خطراً وإن كان هذه المرة على إسرائيل.. ومسيرة السلام المفتعلة لا على جيرانها.. دول المنطقة!!
مسيرة في التاريخ.. خرجت منها أمريكا وحدها بحصة الحيوانات كلها لا الأسد وحده!! وخرجنا نحن بلا عشاء!! لا لأنها تملك العتاد والعدة.. وإنما لأنها تدرك فن السباحة وسط المتغيرات!! وهو فن لا يقتصر على الأسماك الكبيرة.. فكذلك الأسماك الصغيرة.. تعرف فن العوم!!
الوضع الإقليمي بالغ الخطورة.. وكما ذكّرنا الدكتور الحكيم.. طباً وعقلاً!! وكل ما علينا هو أن نتخلص من أميتنا.. وأن نقرأ فيه!! حتى لو لم نخرج من قراءته بغير العلم والوعي لما سيأتي به.. علم يقينا خوف ورهبة المفاجأة.. التي شلت كل قدراتنا يوم الثاني من أغسطس المشؤوم!!
قد لا يكون بمقدورنا، كوطن صغير، أن نحقق من وراء استقراء المتغيرات واللعب فوق حبالها.. طموحات كالتي حققها الغرب وأمريكا!! غير أن بمقدورنا ولا شك أن نستغل فرصة كوننا طرفاً مهما الآن في أحرج المتغيرات التي تمر بالمنطقة وبالكيان العربي كله.. لنبني عليها وعياً ونضجاً سياسياً.. يوفر لنا حكمة وبعداً أكثر في سياساتنا الخارجية!! يحقق فيما بعد طموحات أمن واستقرار قد تبدو بعيدة الآن!! وإن كان ليس هنالك أمر بعيد في مسارات التاريخ!! فالطموح الأمريكي في الثمانينيات.. “بزيادة مبيعات الأسلحة الأمريكية وإجراء تدريبات عسكرية مشتركة بين قوات أمريكية وقوات دول المنطقة” كما أعلنها وزير الدفاع الأمريكي آنذاك!! قد أصبح واقعاً.. بل ومن متطلبات الوضع العسكري الجديد في المنطقة.. أو كما قالها الفريق شوارتزكوف “إنه سيتم الاحتفاظ بمقر قيادة متقدم في المنطقة.. وليس مركز القيادة الذي سيبقى في فلوريدا!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى