غير مصنف

“المواطن أساسي لا طارئ في العمل السياسي”

[جريدة الطليعة 27/12/1995]

ها قد تحققت نبوءة الدكتور “الخطيب” وتحذيراته التي حذر فيها من مخاطر المضي في إدارة شؤون البلد بنهج وروح القبيلة!! فالأزمة التي عصفت بمجلس الوزراء مؤخراً.. وأشعلت الشارع السياسي والأوساط المجتمعية على اختلاف مثلها ورؤاها.. قد أكدت حيثياتها وتطوراتها.. بل وحتى تطويقها في النهاية.. إننا بالفعل جميعاً لا نزال محكومين بروح القبيلة.. ومدارين بنهج الديوانية!! وذلك ليس على المستوى الرسمي وحسب.. بل كذلك هو على المستوى الشعبي.. والإعلامي والذي لم يخل من أصوات.. كان صدى القبيلة نابضاً وصارخاً خلف ما طرحت من آراء بشأن الأزمة السياسية الأخيرة!! فبينما يرى قلم صحفي مخضرم أننا “لسنا على استعداد لأن نستورد من يجعلنا نختلف مع بعضنا البعض”.. يرى قلم آخر أن ما حدث هو “تعبير عن الرقي السياسي والتطور الحتمي للنظام الديمقراطي.. ودلالة واضحة على حيوية النظام هنا.. وقبل ذلك استقراره ورسوخه” انتهى.
لكلا الرأيين.. كما لغيرهما من آراء مطلق الحرية في التعبير عن تصوراتهم لما حدث!! لكن الحقيقة هي كما أعلنتها “الطليعة” في عنوانها الرئيسي.. بقولها: إن الأزمة قد كشفت ولا شك غياب المؤسسات الدستورية في صنع القرار السياسي!! وذلك بما تحمله من مؤشرات واضحة على تهميش لدور مجلس الوزراء.. ولمجلس الأمة!!
ليست هي المرة الأولى التي ترتفع فيها الأصوات متسائلة عن طبيعة الأدوار.. وعن صلاحية المؤسسات الدستورية في هذا الوطن!! بل لقد كان ذلك دائماً محط تساؤل المواطن.. حول ما يتمتع به المسؤول… والوزير… بل وأحياناً القاضي من صلاحية تخول له تأدية مهامه وكما هي مدونة في مواصفاته الوظيفية إن صح القول!! وقد كانت الإجابات التي يتلقاها المواطن على سؤاله هذا مؤسفة ومحبطة في أحيان كثيرة!! مما جعل الكثير من أبناء هذا الوطن يصرون على رفض مناصب قيادية يعلمون مسبقاً أنها مهمشة الدور.. شكلية الآداء!! ولعلنا لسنا بحاجة لأن نستعرض أمثلة حية على تلك المواقف.. والآراء!!
وإذا كانت تلك الحقيقة.. واضحة وجلية للقريبين من أهل القمة وصناع القرار!! فإنها اليوم.. في ظل الأزمة السياسية الأخيرة.. تهوي كالصاعقة على البسطاء.. الذين لا يملكون قنوات اتصال مع من هم في القمة.. خاصة وأنهم محاطون إعلامياً.. وسياسياً بإشادات وتأكيدات على تلاحم الجسم السياسي لهذا الوطن.. وتعاونه المشهود الذي يحفظ لهم استقراراً وأمناً وأماناً مستقبلياً راسخاً!!
الأزمة السياسية الأخيرة أكدت أن هناك شرخاً عميقاً في الجسم السياسي.. وغياباً واضحاً للمؤسسات الدستورية في هذا الوطن!! بمعنى أدق.. هنالك خلط بين العمل السياسي… والديوانية.. ليس بين قطبي الخلاف وحسب!! بل بيننا جميعاً كمواطنين.. وكمسؤولين!! وهنالك خوف واضح.. يلم بنا جميعاً كأفراد.. سواء كنا قياديين.. أم مرؤوسين!! خوف من التحول الديمقراطي.. ومن الحوار والحرية!! وهو خوف منطقي وطبيعي.. فالتغيير.. أياً كان مساره.. هو خلق.. وكيان… ووجود جديد يخضع لمنطق النسبية.. ولاحتمالات النجاح والفشل!! وهو أي التحول أو التغيير.. وإن كان حتمياً.. غير أنه مؤلم ومخيف!! شأنه شأن كل التحولات والتغييرات!! فالتغيير لا يحدث دون تهشيم وتكسير.. يأتي بعده واقع وحاضر مغاير.. وجديد!! فالولادة على سبيل المثال.. لا تحدث دون درجة شديدة وقاسية من الألم.. يأتي بعدها مخلوق جميل.. يصبح فرداً معطاء.. ومساهماً في البناء البشري بشكل عام!!
نحن الآن في هذا الوطن.. يطالنا جميعاً ألم المخاض.. الذي نعبر به!! كما ويطالنا الجنين الذي سيهيء آلام المخاض!! لذا يدفع بالأغلبية إلى ما تحت خط الفقر.. في مقابل أقلية أصبحت في مستوى البليونيرات في العالم الصناعي!! ولكي يتمتع هؤلاء بالمائة والعشرين طائرة خاصة تملكها تلك الفئة في مصر.. يجب على الفساد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً أن يدوم!!
لقد استطاع المجتمع السياسي المصري.. أن يحتفظ بقدر من التوازن.. الذي حقق الاستقرار فيما بعد ثورة يوليو.. على الرغم من تواضع الدخل.. والنمو السكاني المتسارع!!
الآن.. يتعرض هذا التوازن إلى محاولات اختراق.. نجحت في أغلبها.. من قبل أصحاب المائة والعشرين طائرة خاصة!! محاولات أدت إلى تخلخل في الطبقة الوسطى في مصر.. والتي كانت عمود الاستقرار السياسي والاجتماعي!! والتي كان يصفها المؤرخ “عبدالرحمن الجبرتي” بكونها معيار الحركة والركود في أي مجتمع!! أو كما يقول بأنه لا يعترف بالثورة أو بالتحرك الثوري إلا إذا شمل التجار (ومساتير الناس) كما كان “الجبرتي” يصف الطبقة الوسطى!! والذي كان يرى أن المجاعة تعتبر أزمة فقط إذا ما طالت (مساتير الناس)!! أما فيما عدا ذلك.. فكان يسميه (هوجة) قام بها (الزعر والجعيدية والحرافيش) على حد تعبيره!!
“مساتير الجبرتي” اليوم في مصر.. هم الذين ضاعوا مع ضياع الرؤية الاستراتيجية المستقبلية الواضحة.. ومع تحول العمل السياسي.. إلى تنفيع واستفادة.. وتراجع الشعار الانتخابي ليصبح لافتة أسعار.. وتسعيرات!! ومع تهافت الأقلية على الاستفادة من خصوصية القطاع العام.. وتعمير السكن السياحي بدلاً من المساكن الشعبية!! الإنذار الذي أعلنه “محمود العالم” في حديثه.. يحمل مخاطر حقيقية ليست من شأن المجتمع المصري وحده!! فالاتجاه السائد الآن نحو إلغاء دور الدولة في رعاية الفرد.. سيخلق مافيات خدمات.. ستسعى هذه الأخرى وبكل تأكيد إلى أن يكون لها دور و(برستيج) سياسي مدفوع بالدولار!! وسواء أطلقنا ألقاباً حضارية على مشاريع الخصخصة أم لا.. فإن تأثيرها المتوقع خاصة في المجتمعات متواضعة الدخل.. هو بالتأكيد سيكون تأثيراً سلبياً!!
نحن جميعاً ننتظر مصيراً مشابهاً لمصير مصر الآن.. مما يفسر عمومية حديث “محمود العالم”!! خاصة بعد أن أصبح العمل السياسي معروضاً للبيع.. وغدا للشعار الانتخابي سهم وسعر!! ولا طائل لنا في الخلاص من حالة التشوه هذه إلا بتفعيل “مساتير الجبرتي” وحثها على الدفاع عن حقها المعروض للبيع في خصخصة الحقوق!! والمرهون لدى البنك الدولي!!
فنحن نريده جنيناً معافى صحيحاً وأي تشوه قد يعتريه.. سيكون همنا وهاجسنا جميعاً.. وسنتحمل كلنا مسؤولية رعايته قبل آلامه ومعاناته!!
وبعيداً عن الفلسفة والتجريد.. نقول أن أهم مطالب التغيير في العالم من حولنا اليوم.. هي التغيير نحو الديمقراطية والحرية.. والتي أطلقت صوت الجماهير معبراً عن حقه في المشاركة والمساهمة في شؤون بلده.. مما أضفى على المواطن مسؤولية أكبر.. وقرباً أكثر من الحدث السياسي خاصة!! والأزمة السياسية الأخيرة في هذا الوطن قد أكدت أننا لا نزال نرفض خوفاً حتمية التغيير القادم.. وذلك من خلال إلغاء الدور الجماهيري في واحدة من أكثر القضايا التصاقاً برأي المواطن!! قضية عودة العلاقات مع الأردن أو غيره.. لا يجب أن يغيب عنها المواطن!! خاصة أنه كان مساهماً أساسياً في رفض الدول المساندة لعدوان النظام العراقي!! بل ولقد عملت الحكومة ومنذ التحرير على تصعيد ذلك الرفض.. والذي طالما حذر منه الكثيرون لكونه أسلوباً لا ينم عن نضج ووعي سياسي!! الآن لهذا المواطن الحق في أن يساهم في خطوات الصلح والقبول كمساهم من قبل في الرفض!! كان بالإمكان أن تستغل مساهمة المواطن في قضية كهذه.. لإثراء ثقافة المواطن السياسية.. خاصة بعد أن شكل الغزو أداة فاعلة لدمج المواطن في المجتمع السياسي.. بعد أن كان قصراً على أهل القمة.. وهو أمر لاحظناه جميعاً من خلال مساهمات الغزو في دنيا السياسة.. وفي التحول الذي اعترى حواراتنا وأحاديثنا المجتمعية.. واهتماماتنا اليومية!!
خلاصة القول هنا أن المواطن هو محور العمل السياسي بوجه عام.. ووجوده أمر أساسي.. لا طارئ!! ذلك ما أدركه الجميع إبان مرحلة الغزو المريرة!! كما أن العمل السياسي نهج نفعي ورؤية مصلحية بحتة.. لا يجب أن يختلط مع رؤانا العاطفية.. ومشاعرنا القبلية!! وإلا أجهضنا الجنين.. قبل أوانه!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى