غير مصنف

مجلس الأمة.. لا مجلس القلة

[جريدة القبس 29/1/1996]

افتتح نواب المجلس دور الانعقاد الأخير لمجلس (92).. بالترويج لشخوصهم ورؤاهم.. والإعلان عن برامجهم.. وخططهم (المستقبلية)!! وهو أمر اعتدنا عليه حيث يجري دوماً الإعلان والإعداد للمعركة الانتخابية المقبلة من قلب المجلس المودّع!! إلا أنه أمر كثيراً ما أثار استياء المواطن.. وينتقده الجميع.. باعتبار أن فصل الانعقاد الأخير هو حق للمواطن.. وجزء من مهام ومسؤوليات النائب الذي أولاه ناخبوه ثقتهم قبل صوتهم!!
استياء المواطن هذه المرة من موجة الهستيريا التي أصابت بعض النواب.. في محاولتهم لتغطية جوانب فشلهم وعجزهم عن تحقيق مكاسب ملموسة للمواطن.. قد جاء هذه المرة مضاعفاً!! وهو استياء صاحبه كم هائل من المرارة والأسف!! ليس لأن النائب المنتخب قد عجز عن الارتقاء بتطلعات ناخبيه إلى حيز التنفيذ والتحقيق!! وإنما لما يرمز إليه مجلس (92) الذي كان للمواطن بصمات واضحة فيه وما صاحبه من مشاعر وتطلعات وطنية. بدأت مع تجمعات (الاثنين) التي سبقت كارثة الغزو.. التي كانت تعبيراً صادقاً عن إيمان هذا الوطن بمواطنيه لأهمية المشاركة الشعبية!! واستمرت كذلك تحت نير العدوان والظلم مشاعر متأججة رافضة أن تستسلم أو تخضع لغير الحرية!! وحيث استمر نضال الحرية هذا فيما بعد التحرير رافضاً كل الضغوط السياسية للقبول بمجالس وحياة ديمقراطية مهمشة أو جزئية!! إلى أن عمد انتصاره في الخروج بمجلس (92)!! هو إذاً مجلس الشعب والأمة.. لا مجلس القلة من لا يرون أبعد من ذقونهم!! لذا فسواء كان مفرج نهار أم خالد العدوة.. فإنهما ولا شك لن يستطيعا أن يسلبا جهاد.. وجهد المواطن ولن يعبثا بفرحة أمة.. خرجت إلى النور في أكتوبر 92!!
من حق كلا النائبين: العدوة ونهار، أن يقولا ما يريانه حقاً لهما.. أو أن يعلنا رأياً صائباً آمنا به!! لكن ليس من حقهما إطلاقاً تشويه رمز الأمة.. والعبث بجهود آلاف المواطنين ونضالهم.. الذين كانت لهم اليد الأولى لما وصل إليه كلا النائبين وذلك بما يفرضانه بين الوقت والآخر من مهاترات وجدل عقيم.. استهلك جلسات وساعات طوالاً.. هي حق وملك للمواطن قبل أن تكون لنائبه المنتخب!!
لا ننكر على أي من النائبين الفاضلين حقهما في التنازع مع خصومهما السياسيين!! فالتنازع هو أساس في العلاقة البشرية شأنه شأن التعاون.. حيث يؤدي كلاهما إلى الحركة والتغيير!! بل أن الفرد يتعاون مع فرد آخر.. ليكون أكثر قدرة على التنازع مع طرف ثالث!! غير أن ذلك لا يمنع من أن يكون للتنازع البشري، قوانين.. وأسس كما له أسباب وأنواع!! أو كما صنفها البروفسور (كارفر) إلى أربعة أنواع!! ففي النوع الأول تكون للقوة البدنية المكان الأول.. حيث يعتمد الفرد على قوته لتحطيم أعدائه.. وبذلك فهو تنازع أقرب للطبيعة الحيوانية هنا!! أما النوع الثاني من التنازع.. فيدخل فيه شيء من الذكاء واستخدام العقل.. لذا فهو أرقى من النوع الأول.. كالسرقة.. والاحتيال والغش!! بينما يأتي النوع الثالث.. ليشكل أساساً لأغلب النزاعات البشرية حيث يأتي بشكل حملات انتخابية بين الأحزاب السياسية.. وإعلانات.. ودعاية بين الشركات التجارية!! ومحسوبية ووساطة بين الطوائف السياسية!!
أما النوع الرابع فهو النوع الذي يأمل البروفسور (كارفر) وغيره كذلك.. في أن يسود العالم.. وهو النوع المنتج من التنازع.. والذي يتمثل في المنافسة العلمية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية على أساس هادئ.. لا حقد يغلفه ولا اندماج يدمره!!
وانطلاقاً من كون التنازع صفة ونزعة بشرية.. فإن الإنسان لا يستطيع أن يتخلص منها.. أو ينفيها فكان عليه أن يوجهها لتعود إيجاباً على المجتمع بأكمله فجاءت النظريات الإنسانية والمجتمعية لتساهم في تطوير ذلك السلوك البشري!! حتى يدفع بالمجتمع إلى الأمام.. والحركة.. لا إلى الركون والسكينة!!
إذاً ليس هنالك تنازع لأجل التنازع فقط.. بلا هدف أو وجهة.. بل وحتى في شكله ونوعه البدائي الأول!! وإن كان على ما يبدو أن للنائبين الفاضلين نوعهما الخامس والفريد من التنازع.. لينسجم مع فهمهما وإدراكهما للديمقراطية.. والمسؤولية البرلمانية.. والتي اتضح أنها ديمقراطية لأجل الديمقراطية فقط.. لا للحركة والتطوير والدفع بعجلة المجتمع إلى الأمام!! وإن كان كلا النائبين قد أغفل هنا أن لمجلس 92 ثمناً دفعه كل مواطن!! ونضالاً ساهم فيه الجميع!! فهو رمز لمرحلة في تاريخ هذا الوطن الصغير.. يرفض الجميع أن يتحول إلى عبث بأيد لا تجيد لغة النضال.. والوطنية!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى