
لا يأتي الخريف ويمضي من دون أن تجرفنا معه وتحرّكنا رياحه وألوانه وشجره وأوراقه وجنوحه وعواصفه ونزقه الشقي والجميل.
أجمل ما في الخريف أنه يكسر قاعدة الرتابة، ويتمرّد على الملل، فتعبث رياحه وأوراقه بكل شيء، معلنة عن أسطورة الخريف الخالدة مع برسيفيني وهاديس وديمتر.
لعبة أوراق عبثية في لوحة سيريالية لا تتبع نمطاً مألوفاً، بل فوضى جميلة تعصف بكل تقاليد الطبيعة، هي فوضى خلّابة، تُتحفنا مع كل قدوم للخريف بحكايا وألوان، يحمل كل منها ألف لون ولون، وألف قصة وقصة، فوضى عشوائية تمارسها الطبيعة، فتنثر الجبال ورقاً بألوان صارخة، وتحكي للبشر وتخبرهم بأن للفوضى أحياناً سحرها الخاص وجمالها.
تغادر أوراق الخريف الشجر، وتسقط في حالة سكون واستسلام نحو فناء يعيدها من جديد في دورة حياة مستمرة وخالدة، من دون أن يُصيب الذعر ورقة الخريف الساقطة، فالفناء هنا معبر من معابر الخلود والديمومة في دورة حياتية يُذعن فيها النبات، متفوّقاً بذلك على البشر في إدراكه لشروط الطبيعة وحتمية الدائرة، فتتطاير أوراق الخريف وتتساقط مُفسحة المجال لبراعم جديدة، تغزل مرة أخرى لوحة الحياة المستمرة والدائمة. غياب ورقة يعني حضور أخرى، وإعلان عن ولادة جديدة من الرحم نفسه، فلا مقاومة هنا للسقوط، ولا جدال حول حتمية الغياب، فلا تتمسّك ورقة الخريف الصفراء بجذعها اليابس، بل تسقط مُفسحة المجال لبُرعم أخضر بساق وجذع أقوى، ليُكمل نسيج الطبيعة الخالد.
سلوك فطري، وفلسفة يفتقدها الإنسان، الذي يتشبّث بالحياة، ويختزل مبدأ الخلود ببقائه الحسي والجسدي واستمراره، ففي معظم الحضارات البشرية، حاول الإنسان أن يعبث ويُغيّر معادلة الطبيعة هذه، ودورتها الخالدة، فاجتهد في تحنيط الجثث، وحفظ الأشلاء، لعل في ذلك ما يُحقق معادلة عكسية في الخلود، ويُبقي على من سقط من الأجساد وانقضى دوره في عجلة الحياة.
يتعلّم البشر من الطبيعة ولا يتعلّمون، يتعلّمون منها فنون وسر البقاء، لكنهم لا يتعلّمون سر الفناء، أوراق الخريف لا تخشى السقوط، لكن البشر يهابون الموت، ورق الخريف يستسلم وبسلاسة لدورة الحياة، لكن البشر يقاومون بالعلم أحياناً، وبالحيلة والوهم أحياناً أخرى، طمأنينة وسكينة الرحيل، ويجهلون غالباً أن سر الحياة يكمن في القدرة على الرحيل بسكون وسلام، وأن الموت رحلة طبيعية.
في فوضى الخريف الخلّابة، لا نرى الأوراق الساقطة تسعى إلى النهوض مجدداً، ولا إلى محاولة تسلّق الشجرة، ومن ثم الالتصاق بجذعها مرة أخرى، أملاً في استمرار الحياة، أوراق الخريف لا تعود إلى الأعلى بعد أن تُسقطها رياح الخريف، بل تمضي في دورة الحياة، التي لا يكتمل غزلها ولا نسيجها إلا بتنوّع ألوانها.
فوضى الخريف الخلّابة وثرثرة أوراقه، تحكي لنا ألف قصة وقصة، هي جزء من نظام الطبيعة الأشمل، ومن دون تلك الفوضى تصبح الرتابة رمادية، ويصبح الخريف معها مملاً، وبلا ملامح صاخبة، تمنحه كالعادة جمالاً وحياة متجددة، هي فوضى لا تُعلن عن حضورها بجمال ألوانها وحسب، بل في فلسفة ذلك الحضور، الذي يُعلن للبشر عند كل فصل خريفي بديع الألوان، أن لكل مظهر جماله، ولكل حالة نقيضها، ولكل موت حياة، ولكل نهاية بداية.
ويأتي الخريف كأكثر الفصول قدرة على التعبير عن تلك الفلسفة الحياتية، فهو الفصل الذي تتعرى فيه الأرض من كل شيء، ويكون البشر فيه أكثر وعياً لطبيعة الأشياء في دورة الحياة المستمرة، بين موت وحياة، يتجرّد فيه الشجر من ردائه في الطريق إلى رداء آخر، وتسلّم فيه الريح العاصفة حصاد الفصول السابقة، لتغزل منه باقي الفصول حكاياتها وألوانها وشجرها وثمرها ومزاجها، هو فصل تُعلن فيه الطبيعة أن النهايات ليست سوى بدايات، لكل قصته وسيرته ومغزله وجماله ودوره.
الخريف بفلسفته وألوانه مدرسة حياة، نتمنى لو أن البشر استقوا منها العبرة والدروس.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:الخريف-الفلسفة الحياتية-فوضى الخريف-أسطورة الخريف
