غير مصنف

ما عندك إلا الحرب

2 نوفمبر 2024

مثل ما قال الزميل نشمي مهنا، «وضاح»، في قصيدته: «ما عندك إلا الحرب حالة أكيدة.. والدم واضح ما يبي أي تأكيد». لا جديد إلا الحروب، نبحث في المواضيع فنجدنا نعود قسرًا الى الحرب، نَتَتَبّع تفاصيلها وتداعياتها، ونتفاعل مع معاركها، ونتحاور حول خباياها.
حرب الشرق الأوسط الراهنة، شأنها شأن أي حرب أخرى، ضحاياها من الأبرياء يدمنون القلوب، وسماسرتها كالعادة يتخفّون وراء مصانع السلاح ويتبضّعون الأخلاق والقيم الزائفة في مؤتمرات ومحادثات دولية منهزمة. لعل المختلف الوحيد في هذه الحرب أن الجميع أصبح طرفًا محللًا فيها، يطرح أسئلة لا يجد لها إجابات مقنعة، ويستند إلى قواعد بيانات هشة وغير مدعّمة الحقائق والتوثيق.
ما يجرى اليوم بين القوى الكبرى المتصارعة، أمريكا والاتحاد الأوروبي وإسرائيل وايران، أصبح مادة للتحليل احياناً وللسخرية في أحيان أخرى، أسلوب «الاستئذان» في الهجوم، الذي اتبعته إسرائيل وايران في هذه الحرب، أثار استغراب ودهشة الكثير، كيف يستأذن طرف من طرف آخر قبل مهاجمته؟ ولماذا يُحدّد كلاهما التوقيت والمواقع المزمع قصفها؟ هل ذلك من «أخلاق» الحروب، والتي هي حتمًا غير موجودة، أم أنه لأسباب خافية عن المتابعين، والذين هم من أصحاب الشأن في نهاية المطاف، فهم من يتلقى ويلات وآلام تلك الحروب.
يقال ان للحروب أكثر من وجه وخطة واستراتيجية، بعضها يقع مباشرة على أرض الواقع ويظهر في معارك عسكرية مباشرة تنفجر بها دماء ويسقط فيها ضحايا ويَفقِد فيها من يَفقِد أمنه وأمانه واستقراره وأرضه، وبعضها الآخر يقتصر على استعراض القوة بكونها العامل الأساسي في كبح جماح الطرف الآخر، وهو ما تُبنى عليه سياسة الردع أو ردع القوة. وعلى الرغم من أن سلاح الردع كان حاضرًا في كل النزاعات البشرية عبر التاريخ، إلا أنه أصبح أكثر حضورًا في ظل تطور السلاح النووي، الذي جعل الدول الكبرى مُدرِكَة لدور السلاح النووي في الردع، وبالتالي حجب الحق في امتلاكه على دول معينة ومحددة بالاسم والهوية والجغرافيا.
قبل الحربين العالميتين، كان سلاح الردع سياسياً بحتًا، يضمن توازنا بين القوى المتصارعة، ويُشكّل أوراقًا تفاوضية قيّمة، ثم تطوّر الأمر، مع استخدام الولايات المتحدة لأول قنبلة ذرية أنهت الحرب الثانية بقصف المدن اليابانية، إلى ظهور اتفاقيات دولية للحد من التسلّح النووي، وتقنين استخدامه في الحروب، والاكتفاء بدلًا عن ذلك بكونه سلاحًا رادعًا يرجّح كفة «المنتصر» تفاوضيًا.
في الحرب المجرمة على غزة ولبنان، لا تملك قوى المقاومة سلاحًا رادعًا بخلاف ردع المقاومة، والتي تقول الأرقام وطبيعة المعارك، أنها أصبحت تشكّل رعبًا في صفوف جيش الكيان على الرغم من تفوّقه العسكري.
أكثر من عام مضى والمقاومة في غزة لا تزال صامدة، ولا يزال المقاتلون يُوقِعون الإصابات الباهظة، عسكريًا وسياسيًا، في صفوف جيش الاحتلال، على الرغم من عدم تكافؤ الطرفين هنا، وبالرغم من محاصرة الجيش للمقاتلين في بقع ومخيمات صغيرة جغرافيًا ومحددة المساحة، إلا أن ردع المقاومة هنا كسر كل قواعد واستراتيجيات وشروط الردع التقليدية.
قد تكون حرب غزة الراهنة هي الحرب الحقيقية الوحيدة، فباقي حروب العرب كانت أقرب لبوابات مفاوضات سلام وصلح ثَبَتَ فشلها، وأدّت، مع الوقت، الى عمليات تطبيع بالمجّان، وبكل أسف، كما أكّدت هذه الحرب على إمكانية الردع حتى في ظل تفاوت ميزان القوى، فردع المقاومة في غزة ولبنان سيفرض سقفًا مختلفًا جداً من التفاوض، إن حَدَث، وإذا كانت القوى العظمى المتصارعة في المنطقة تعمل وفقًا لنظرية الردع التقليدية، فإن المقاومة اليوم تفرض ردعًا مختلفًا في جوهره وهدفه.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى