
تتوزع في كل أرجاء المتحف العلمي في العاصمة البريطانية لافتات تحمل أقوالاً مشهورة ومآثر حكيمة تم تجميعها من حضارات مختلفة ودول وشعوب متباينة! إحدى تلك اللافتات حملت قولاً صينياً رائعاً مليئاً بالحكمة وبُعد النظر.
تقول تلك اللافتة: “إذا أردت أن تخطط لسنة فاغرس بذرة، وإذا أردت أن تخطط لعشرة أعوام فازرع شجرة، أما إذا أردت أن تخطط لمئة عام فعلم الناس وثقفهم”!
قول ينطق بالحكمة ويختزل كل الاستراتيجيات البشرية المكتوبة والمنقولة! فتعليم الناس هو المخزون الذي لا ينضب، وهو المخطط الواثق الذي يوفر عائداً سخياً ومباشراً لكل أمة وفي كل دولة! التعليم هو الشعار الذي رفعه رسول الأمة محمد c النبي الأمي الذي أيقن أهمية العلم والعلماء، فجعل فداء المشرك تعليم عدد من المسلمين، وحث في أحاديثه على طلب العلم ولو كان في الصين أو في أقاصي الأرض!
لكن وزير التربية والتعليم العالي الدكتور مساعد الهارون لا يبدو أنه مدرك لتلك المكانة والأولوية للعلم حين أجاز تعليق لافتات في كل أرجاء الجامعة تطرح أولويات جديدة لا علاقة ولا صلة لها بالعلم، حيث انتصبت في كل الكليات الجامعية لافتات تعلن عن البدء بتنفيذ قانون الزي الجامعي المحتشم الذي يعطي الحق للأستاذ أو للمسؤول الاجتماعي بتعريف الزي المحتشم، وبالتالي معاقبة الخارجين عنه أو غير الملتزمين به!
القانون بحد ذاته شاذ وقبيح لأنه أولاً يدخلنا في جدلية تعريف الزي المحتشم وما إذا كان يقصد به الحجاب الشائع في أيامنا هذه والذي لا يحظى باتفاق مطلق وإنما جادل فيه الكثيرون وفقاً لاختلاف التفسير والتأويل للآية التي ورد فيها ذكر الزي في سورة الأحزاب: F ﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِـيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِيـنَ يُدۡنِيـنَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَـىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٥٩ﵞ ﵝالأَحۡزَاب : ﵙﵕﵜ F.
حيث رأى البعض أن الآية هي آية تعليم وليست تشريعاً لأنها وضعت السبب وهو في هذه الحالة الأذى! أما الآية الواردة في سورة النور: Fﵟوَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنـِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِـيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِيـنَ غَيۡـرِ أُوْلِـي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِيـنَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣١ﵞ ﵝالنُّور : ﵑﵓﵜ F، فقد سبقها أمر مشابه للرجل بقوله تعالى: F:ﵟقُل لِّلۡمُؤۡمِنِيـنَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَـىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيـرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٣٠ﵞ ﵝالنُّور : ﵐﵓﵜ F.
وبذلك يكون الأمر مشتركاً بين الرجل والمرأة وهو ما لم يحدث في إصرار البعض على توجيه الآية للنساء دون الرجال!
لا نريد أن نطيل في الحديث عن جدلية الحجاب هنا، وإنما نريد أن نذكر بأن قانون الجامعة بشأن اللباس المحتشم يعطي حقاً للبعض دون الغير بتحديد إطار هذا اللباس وملامحه!
قد يجيب وزير التربية بأن القانون ليس جديداً، بل هو صادر عن مجلس الجامعة، وهو عذر لا نستطيع أن نقبله بسهولة، خاصة بعد أن استطاع وزير التربية أن يجمد قانون الاختلاط الذي كان الإجماع عليه من مجلس الأمة، وهو بالمناسبة أقوى من مجلس الجامعة، وذلك من خلال التذرع بكلفته المالية التي لا تتلاءم مع السياسة التقشفية للجامعة!
لا نريد القول إن تنفيذ قانون “الزي الجامعي المحتشم” قد كان خطة تقاسمتها الإدارة الجامعية مع وزير التربية لامتصاص غضب واستياء أقطاب الإسلام السياسي في مجلس الأمة! لكن ذلك وبكل أسف هو الواقع! فقانون الزي الجامعي المحتشم يوفر مكسباً سياسياً للوزير الدكتور مساعد الهارون على حساب مكاسب أكاديمية كان أجدى بالوزير الفاضل أن يضعها في سلم أولوياته! خاصة في ظل المشاكل الإدارية والأكاديمية الضخمة التي تواجهها الجامعة اليوم!
إن التعليم الجامعي لا يوفر تعليماً أكاديمياً وحسب، وإنما يشكل مدخلاً لبناء شخصية الفرد بصورة تؤمن له الثقة في ما يقول ويعمل! مثل هذا البناء لا يمكن أن يقوم في مناخ مقيد للحريات ومجهز بقوانين تكبت أياً من حريات الفرد التي وفرها دستور الدولة! وكل ما نتمناه هنا ألا يكون الدكتور الهارون قد خطط لسنة فقط فبذر إعلاناً بالحشمة، بدلاً من أن يخطط لمئة عام فيصنع مشروعاً تربوياً ممتداً ومتكاملاً!
