
تسربت أزمة الاختلاط.. التي أثيرت مؤخراً.. من حيزها الضيق.. لتسلط أضواءها على قضيتين حرجتين في هذا الوطن!! وهما وإن كانتا من القضايا الشاغلة لدول المنطقة كذلك.. إلا أن سهولة التحرك والتفاعل في الوطن.. تتيح فرصة أكبر لرؤية أوضح!!
لقد أثارت أولاً مداولات الاختلاط وأكدت مدى هشاشة المواقف والمبادئ لدى جماعة التيار الديني!! مؤكدة بذلك الأغراض السياسية البحتة وراء كل ما يثيره أعضاء ذلك التيار!! والذي وإن كان إصراره لاذعاً ودعواه صاخبة في محاولات تأكيده على حقيقة نواياه الدينية الخالصة.. والخالية من أية مطامع سياسية كانت أم غير سياسية!! والخالية من أية مطامع سياسية كانت أم غير سياسية!! إلا أن انفعاله تجاه رفض مشروع الاختلاط جعل بعضاً من النوايا اللادينية تتسرب معلنة عن وجهها الآخر!! حيث اجتمع بعض من نواب هذا التيار بمجموعة من طلبة الجامعة للاعتذار عن عدم مرور مشروع منع الاختلاط، مؤكدين استمرارهم مع زملائهم نواب التيار الديني في دعم المشروع نفسه في دور الانعقاد المقبل!! وحدثهم النائب مبارك الدويله قائلاً: “إن على الناخبين أن يقيموا أداء ممثليهم (الذين رفضوا المشروع) عندما يحل موعد الاقتراع للانتخابات المقبلة”.. وقال أيضاً: “لقد أدينا واجبنا.. ولكن علينا أن نلتزم بالنتيجة!! “قد لا نعيب على الدويله التزامه بقرار الأغلبية وبحسم الديمقراطية للقضية!! وإن كنا ننتقد تلهفه على تذكير جموع الطلبة الذين هم ناخبون أو في طور الانتخاب حين تحل انتخابات عام 96!! تذكيرهم بموقفه وزملائه (الديني البحث) تجاه القضية.. والذي عليهم ألا يتجاهلوه حين يتوجهون إلى صناديق الاقتراع!! ومبدأ الدويلة ذاته انتهجه من قبل النائب خالد العدوه.. حين أخفق في تشريع قانون بمنع الدجاج المجمد في محاولة مفضوحة لتنفيع شركات دون غيرها!! حيث دعا النائب (العدوه) في مقال له نشر في جريدة “الوطن” في عددها الصادر بتاريخ 7/10/94، بتأجيل الالتزام (الديني) بمبدأ الربح وفق الشريعة الإسلامية.. وذلك من خلال دعوته لرؤساء الجمعيات التعاونية “بال يُخلوا للسوق” اضطراراً، إلا كميات محدودة تتناسب مع حركة الطلب عليها، مصحوبة بحملة دعائية داخل الجمعيات تحذر من كل اللحوم المخالفة لشرط الذبح المقررة في الإسلام”!! ثم يذهب “العدوه” إلى تحية الموقف الشجاع لرئيس الاتحاد المنحل طلق الهيم وإخوانه الأعضاء.. ويهنئهم على خروجهم من الاتحاد “بشرف ورأس مرفوع”.. خاصة وأن “الحياة مبادئ ومواقف” كما يرى النائب الفاضل.. على الرغم من أننا لم نشهد إلى الآن تنازلاً عن منصب أو كرسي.. من قبل أعضاء التيار الديني.. بسبب مبدأ أو موقف صلب!! بل على العكس، لم يتنازل رئيس اتحاد الجمعيات إنما أُقيل!! تماماً مثلما يُصر رئيس المجلس البلدي على الاستمرار بالرغم من الحملات ضده والتي انطلقت بسبب غموض مسألة “المبدأ والموقف” لديه!!
كذلك أبرز الجدل حول الاختلاط.. مدى تضاؤل الطموحات لدى الفئات الشبابية!! وتراجع لدور الشباب عن ارتياد القضايا العالمية المعاصرة!! ولعلّ في البيان الذي أصدره اتحاد الطلبة والذي نشرته الصحف (يوم الثلاثاء 6 ديسمبر) ما يؤكد تلك الحقيقة!! حيث يُصر (الجيل الجديد) على أن ما يعانيه من مشاكل وآثار تربوية واجتماعية سيئة هو نتيجة للدراسة المختلطة في جامعة الكويت!!
ولكي ندرك مدى التراجع في المطالب والطموحات الشبابية، علينا أن نجري مراجعة لمواقف تلك الفئة وتفاعلاتها تجاه الأحداث، في الستينيات من هذا القرن!! فبينما يؤكد (جيل اليوم) على الأهمية التاريخية للتصويت على مشروع المدينة الجامعية المقامة على أساس الفصل بين الطلاب.. والطالبات!!
يندد جيل الأمس.. في بيان صادر لاتحاد الطلبة آنذاك “بالتصرف المشين الذي لطخ الدستور”، وذلك في إشارة من الاتحاد إلى انتخابات عام 97!! حيث يرى ذلك الجيل دوراً أكثر حساسية للتاريخ الذي لن يغفر له إذا ما تجاهل دوره تجاه ما حدث!! ويستمر بيان جيل الأمس في التأكيد على “أن الاتحاد يبدي أشد أسفه لما حدث.. ويعتبره وصمة عارً لن يغفرها التاريخ.. ويرجو أن يصان الدستور وتُصان حرية الأفراد.. ويوضع حد لانتهاكهما وقدسيتهما”. انتهى.
جيل اليوم من الطالبات الذي لا يعي من الديمقراطية والتمثيل النيابي والاتحاد الطلابي سوى دورهم في فرض النقاب.. وأقل تفاعلاً مع مجتمعه عن جيل الأمس من الطالبات!! والذي أضرب عن الدراسة.. ورفع احتجاجاً موقعاً إلى الإثارة السياسية في الوطن.. عما حدث من تزوير في العام 67.. مؤكداً بذلك أهمية الدور المنوط به.. فخرج احتجاج الطالبات ترجمة لحقيقة ذلك الدور!! حيث أورد من جيل الأمس من الطالبات في احتجاجه “إن التزوير الذي تم ليس فقط اعتداء على حقوق مرشحين.. وإنما هو اعتداء على شعب الكويت بأكمله!!” انتهى.
بين بيان اتحاد طلبة جيل اليوم واتحاد طلبة جيل الأمس.. يمتد زمن جاوز الثمانية والعشرين عاماً!! عبر فيها الوطن بقضايا مصيرية جادة.. أخلت ببنيته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وأضافت مستجدات يفرضها عصر الحداثة والتكنولوجيا الذي يلف العالم من حولنا!! ومتغيرات أصبحت تطرح تساؤلات لها طابعها الحديث، المتوافق مع منطقية السير إلى الأمام، والنمو باتجاه النضج والشيخوخة.. لا باتجاه السذاجة.. والطفولة!! إلا أن المتابع منا.. قد يرى بعين ثاقبة.. أن بين بيان اتحاد طلبة اليوم واتحاد طلبة الأمس.. تكمن أزمة جيل.. لا أزمة اختلاط.. وحسب!!
