الأرشيف

صلاتك قبل مماتك

[جريدة القبس 20/1/2002]

تبث قناة الـ MBC على فترات فيلماً قصيراً موجهاً بعنوان “أقم صلاتك قبل مماتك”، يظهر في هذا الفيلم شاب صغير جالساً أمام جهاز كمبيوتر وهو في حالة انسجام تام، ومن بعيد يأتينا صوت المؤذن منادياً للصلوات تباعاً.
بينما الشاب لا يبدو مكترثاً لإقامة صلواته في أوقاتها، ثم فجأة يقع الشاب صريعاً لأزمة قلبية مفاجئة! ويستمر الفيلم فيما بعد مصوراً طقوس الدفن من كفن ودفن، حيث تتوجه الكاميرا بالمشاهد إلى قاع القبر مركزة على اللحد والجسد مسجى فيه! يتم كل ذلك وسط هلع وبكاء الأهل والأصدقاء والأحبة!
الفيلم لا يحمل اسماً ولا إعلاناً لشركة أو جهة معينة مما يعني أنه تابع لمحطة الـ MBC وحدها! أما الهدف من ورائه فهو بالطبع تذكير الناس بواجباتهم الدينية، وخاصة الصلوات الخمس!
ولا اعتراض إطلاقاً علىأهمية تنبيه الشباب لذلك، لكن الاعتراض هو على هذا الأسلوب الترهيبي الذي استخدمه الفيلم في توعية الشباب لأمور دينهم!
فالفيلم، وبما يحمل من تصوير دقيق للقبر واللحد، لا شك يعتبر أسلوباً يحوي من الترهيب أكثر مما يحويه من الترغيب! وهو أسلوب لا شك بعيد جداً عن نهج الإسلام ونهج رسوله c في نشر الدعوة والتبشير بدين الله المتسامح والرؤوف!
حدثتني إحدى الأمهات عن حالة الذعر التي تملكت ابنها المراهق بسبب هذا الفيلم، وحدثتني أخرى عن بكاء ابنتها الصغيرة وخوفها من النوم حين شاهدت الفيلم! وغيرهما كثيرات عبرن عن استيائهن من أسلوب الترهيب الإعلامي الذي لا يمت لروح الإسلام وسماحته بصلة أو علاقة!
إن الصلاة عبادة مجردة بحتة لأنها تشكل علاقة مباشرة بين العبد وربه، ولعلها بذلك تكون من أرقى العبادات وأكثرها روحانية وتجرداً! F ﵟٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا ٦٤ﵞ ﵝالفُرۡقَان : ﵔﵖﵜ F وعندما علم الرسول c المسلمين الصلاة بعد أن فرضها الله، نبههم إلى جانبها الروحاني الذي يسعد القلب ويزكي النفس، لذا فقد كان، صلوات الله وسلامه عليه، يقول لبلال حين يأمره برفع الآذان “أرحنا بها يا بلال” أي بالصلاة، أما مصدر الراحة فهو كونها تشكل أكثر العبادات خصوصية وتقرباً إلى الله سبحانه وتعالى!
ليس بهذا الشكل نوجه النشء ونذكره بالصلاة! وليس بهذه الصورة المرعبة نحثه على أداء واجباته الدينية! فلم يسكن الخوف قلوب الذين اتبعوا دين محمد c في بداياته، بل كان الإيمان المطلق قرينهم في اتباعهم لرسول الله ونبيه! Fﵟوَلَوۡ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَﵞ ﵝآل عِمۡرَان : ﵙﵕﵑﵜ F، وكما كان رسول الله رحيماً بأمته، فإن القرآن كذلك كان مليئاً بسور الرحمة والمغفرة والترغيب التي تبشر الناس بجنة النعيم وبالريحان والأمن والأمان حين الوفاة، Fﵟيَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ ٢٧ ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ ٢٨ فَٱدۡخُلِـي فِـي عِبَٰدِي ٢٩ وَٱدۡخُلِـي جَنَّتِـي ٣٠ﵞ ﵝالفَجۡر : ﵗﵒ – ﵐﵓﵜ F.
لا شك أن مثل هذا الفيلم يعكس صورة الغلو والتطرف والبعد عن النهج الإسلامي التسامحي الأغر! ومثل هذا التطرف سيخلق جيلاً من الخائفين المذعورين والمرددين الذين لا يكاد الإسلام نهجاً وتشريعاً وسلوكاً يصل إلى بواطن قلوبهم!
إن الصلاة عماد الدين، ومن تركها فقد ترك الدين كله، ومن واجب جيل الكبار أن ينبه جيل الأبناء إلى ضرورة إقامة صلاة خالصة ومخلصة لوجه الله تعالى وليس بسبب نوبة من الخوف ورهبة من الموت! نريد أن يكون شعار الصلاة قبل الممات يقيناً في صدر كل مسلم، لا مجال للإرهاب فيها، ولا للتخويف، وإنما ترغيب خالص قوامه أنها أقوى أدوات اتصال المرء بربه!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى