الأرشيف

صفاء الصوفية!

[جريدة القبس 29/5/2007]

شدني إعلان ضخم عند مدخل منطقتي السكنية يحذر من الصوفية، والمتصوفة، ويدعو إلى الحذر من هذا الفكر الدخيل على حد قول الإعلان! ثم توالت فيما بعد أدوات الهجوم بجميع أشكالها، من ندوات، وخطب، ومقالات، بحيث لم تعد تخلُ صحيفة من جدل وهجوم شنيع على الصوفية وفكرها، ورموزها، ومريديها!
بداية نقول، إن الصوفية ليست كفراً، وليست تغريباً للإسلام وعقائده، بل إن كل المصادر تقول إن الصوفية ما هي سوى طريقة ونهج في السلوك العبادي يكون عماده الأول الزهد والتوبة، والتصوف ليس فكراً دخيلاً، وإنما سبقته حركة زهد نبعت من جوهر الإسلام الحنيف قرآناً وسنة!
أتباع التصوف، كما ورد في موسوعة الأديان، ينصب اهتمامهم على النفس ويعملون على تزكيتها وتهذيبها، ويقوون الإرادة ويركزون على جهاد النفس، طلباً لصفاء النفس والقلب، فهو غاية أساس في التصوف، لذلك ترى المتصوفة يهتمون بباطن الإنسان ويهملون المظهر، ويصرفون الجهد على تدريب المريدين على فضائل الخلق والسلوك، مما جعل الباحثين يحكمون بأن معظم ما أنتجته أقلام الكتاب المسلمين في مجال التربية إنما هو موزع في كتب الصوفية، ومنها يمكن أن تستقي فلسفتهم في التربية! والتصوف ليس حالة معرفية تقوم على الجانب النظري، وليست مما يمكن تعلمه من الكتب فقط، وإنما التصوف الحق هو علم وعمل، ومن هنا فقد جاء حديث حجة الإسلام أبي حامد الغزالي الذي أشار فيه بقوله: إن حاصل علوم المتصوفة قطع عقبات النفس، والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب من غير الله تعالى، وتحليته بذكر الله.
لقد خرج التصوف في القرن الثالث من الهجرة ليشكل ردة فعل على إفراط المسلمين آنذاك في ملذات الدنيا بصورة ألهتهم عن تعاليم الدين ومغزاه، فكان أن دعت الصوفية إلى الورع والتقوى والتوبة، وليس إلى الزهد فقط، الذي يراه البعض معلماً وحيداً للصوفية، وبذلك فهو يشكل خروجاً عن فقه الإسلام الذي تشمل تعاليمه الدين والدنيا معاً!
ولعل أكثر من أنصف الصوفية والمتصوفة هو شيخ الإسلام ابن تيمية الذي قال فيهم: “الصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كلا الصنفين من قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب، ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه، عاصٍ لربه.
الحرب على الصوفية التي أصبحت مشتعلة في صحافتنا اليوم، لا علاقة لها بالصوفية كطريقة أو فلسفة، وإنما هي حرب ظاهرها عقيدة وباطنها سياسة قبيحة! فالصوفية في جوهرها، وكما ورد في وصف ابن خلدون لها، هي طريقة حق وهداية، وأصلها العكوف على العبادة، والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة، وهو أمر كان عاماً في الصحابة والسلف، فلما تفشى الإقبال على الدنيا في القرن الثاني الهجري وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفية!
اليوم، وفي ظل التداخل المؤسف بين الدين والسياسة، نكون جميعاً بحاجة إلى قدر ولو بسيط من صفاء الصوفية وتجردها وانغماسها في الشأن الإلهي بدلاً من إفراطها في الشأن الدنيوي!
لكن مثل هذا التجرد، سيميل بالأرض من تحت أقدام البعض.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى