
هنالك خوف طبيعي لدى البشر جميعاً من التغيير، فالإنسان بطبيعته مقاوم للتغيير، وهنالك من العلماء من يؤكد أن لذلك الخوف منبعاً بيولوجياً، وأن هنالك جزءاً في المخ يعرف بـ “أميجدالا” يحفز لدى الإنسان نزعة الميل نحو الروتين، ويقاوم أي محاولة للتغيير الذاتي! مثل هذه النزعة ساعدت أجدادنا القدماء ومكنتهم من البقاء والاستمرار في الظروف البدائية آنذاك، لكنها اليوم تتعارض ولا شك مع متطلبات العصر الذي نعيش فيه وشروطه!
أمثلتنا وحكمنا تمتلئ بما يؤكد هذه الحقيقة، ومقولة “الله لا يغير علينا” تعكس ولا شك جانباً كبيراً منها، فنحن غالباً ما نكون قلقين ومتوترين إذا ما وجدنا أنفسنا في مواجهة ضرورة التغيير! إلا أن التغيير يبقى مسألة تتفاوت بصددها الثقافات، فالغرب بشكل عام أكثر قبولاً وتقبلاً للتغيير من الشرق، ولعل في ذلك ما يعود إلى درجة التطور العلمي والثقافي والصناعي في الغرب، مقارنة بالشرق الذي لا تزال وتيرة الحياة وعجلة النهضة فيه أبطأ بكثير!
لكن فزع الناس من التغيير لا ينفي حتميته، ولا يلغي حقيقة ارتباط النجاح والتقدم بميكانيكية التغيير في مجتمع ما، ومدى إقبال وتقبل الأفراد له! بل إن هنالك من يذهب إلى أبعد من ذلك، فيصر على أن التغيير هو الحقيقة العلمية الوحيدة التي يمكن وصفها بكونها ثابتة!
ولكن السؤال يبقى حول الأسباب التي تجعل الإنسان يخاف التغيير ويتحاشاه؟ هنالك أسباب كثيرة لعل أبرزها على الإطلاق وأقربها للحقيقة، هو ذلك السبب المتعلق بالخوف البشري الفطري من التغيير، فالتغيير دائماً ما يثير خوفاً من دخول عالم مجهول ومختلف عن الواقع المعاش. مثل هذا السبب يقف وراء عزوف أغلب الناس وترددهم عن التغيير، والخوف هنا يأتي من هاجس احتمال الفشل، مما يجعل كثيراً من الناس يذعنون لواقعهم الذي يعلمونه ويدركونه، بدلاً من الخوض في مسالك المجهول، فضلاً عن غياب الثقة الذي عادة ما يكون متلازماً مع الشكوك في المقدرة الفردية على تغيير الواقع إلى واقع أفضل!
جزء كبير من معاناة العالم العربي مع الطغاة من حكامه يكمن في ثقافة الخوف من التغيير، وهو ما يرى فيه الدكتور سعد الدين إبراهيم – في مقال له حول التغيير في العالم العربي – جزءاً من ثقافة سياسية بالية، بدأت بآل أمية بعد أن ذبحوا الحسين بن علي في كربلاء، حينما صاح أحد أتباع أمية في المسجد الكبير بدمشق موجهاً كلامه إلى معاوية بن أبي سفيان، قائلاً: الملك لك والبيعة بعدك لابنك يزيد، ثم أشهر سيفه في الهواء قائلاً: أما هذا، ويقصد السيف، فلمن عصى. ثم تبع ذلك فقهاء آخرون بقول أصبح مأثوراً، ويبرر الصبر على الظلم والهوان، مخافة الفرقة والانقسام، وهي “حكم غشوم خير من فتنة تدوم”!
لقد استسلم العراق ولعقود طويلة إلى طاغية ومجرم، وذلك خوفاً من التغيير المجهول الذي قد يثير فتنة، كذلك كانت الحال في سوريا ومصر وليبيا وسائر الشعوب العربية التي دفعها خوفها من التغيير والجهل بالبديل للاستسلام عقوداً طويلة لواقع كان الأسوأ في تاريخها!
لا يملك العرب اليوم، وهم يواجهون عالماً متحركاً ومتغيراً دائماً، إلا الإذعان لشروط التغيير وحتميته، فكما أن الثبات ليس فضيلة مطلقة، فإن التغيير ليس شيطاناً مطلقاً!
