الأرشيف

الحق في اختيار طريقة الموت

[جريدة القبس 12/7/2021]

أكثر من عام ونصف العام هو تقريباً عمر الكورونا، تبدّل فيها العالم بشعوبه وتحوّلت معها العادات والطقوس اليومية والأمزجة، وكل شيءٍ آخر. والحصيلة أصبحت اليوم في محاولة العالم المزاوَجَة بين الصحة والحرية، خاصة حين يتعلّق الأمر بالامتثال للإجراءات الوقائية أو للانصياع لبرامج التطعيم والوقاية التي اعتمدها المجتمع الدولي.
اليوم جميعنا، وبلا استثناء، صغاراً وكباراً، فقراء وأثرياء، علماء وأميين، جميعنا التزم إجراءات لا نعلم عنها سوى القليل، فالكل اليوم يلتزم بوضع الكمامة، رغم أننا جميعاً لا نعلم وبشكل علمي مؤكّد حقيقة جدوى أو فعالية الكمامة، ولا نملك أي معلومات تتعلّق بمكوّناتها أو باحتمال أن تكون لها مخاطر صحية، خاصة أن جميع الكمامات مُصنّعة من مواد مختلفة في مكوناتها، بل إن بعضها قد يكون محظوراً صحياً. أغلب سكان الأرض انصاعوا لحملات التطعيم، والذين حالفهم الحظ تلقّوا التطعيم، بينما ينتظر البقية دورهم، وعلى الرغم من محاولات البعض في شتى أنحاء العالم التظاهُر اعتراضاً على إجراءات الإغلاق، أو حملات التطعيم، أو حتى التعقيم وارتداء الكمامة، فإن الشريحة الأكبر التزمت تنفيذ تلك الإجراءات، وتطبيق كل ما صدر من تعليمات أو تحذيرات.
اليوم والعالم كله يخطو باتجاه مرحلة جديدة من الوباء، وحيث تؤكّد السلالات التي تتوالد يومياً من الكوفيد 19 والتي تُعلَن بأسماء ورموز جديدة تُميّزها عن الأب المَصدَر، كلها تؤكّد أن الكورونا فيروس مستَوطِن، وسيبقى معنا، وأن كل ما علينا هو أن نطبّق الدروس الوقائية التي تعلّمناها طوال الثمانية عشر شهراً، أي أن نُمارس السباحة في بحر الحياة وفقاً لتلك الدروس.
اليوم إذاً وفي ظل واقع كهذا، توثّقه أغلب الدراسات والأبحاث، يتحوّل المشهد من رقابة رسمية ذات صفة قانونية، إلى رقابة ذاتية وطوعية. بمعنى آخر أصبح الناس اليوم هم الجهة التي تحرِص على تطبيق إجراءات الوقاية، ففي استبيان أجرته هيئات رصد بريطانية حول قرار وَقف العمل بارتداء الكمامات أجاب أكثر من ٪70 بالرفض لمثل هذا القرار، وطالبوا السلطات المعنية بفَرض ارتداء الكمامة، انطبق ذلك أيضاً على مسألة التباعد الاجتماعي الذي فرضته الكورونا، وحيث جاءت الأغلبية مع الاستمرار في التباعد.
مراقبة مثل هذا التحوّل في المزاج البشري يطرح سؤالاً حول مدى أو إمكانية أن يَستسيغ أو بشكل أدق أن يَألف الإنسان القيود مع مرور الزمن، واحتمال أن تتحوّل الأغلال ومعوّقات الحركة مع الوقت إلى بيئة وواقع يكون من الصعب على الإنسان مغادرته.
في بداية الوباء كان التحدي – خاصة في الدول الديمقراطية – بين الصحة وبين الحرية لكن خطورة الوباء دفعت أعتى ديمقراطيات العالم إلى فرض الإجراءات الوقائية باعتبار أن صحة الناس لها أولوية تفوق حريتهم فاستمرت تلك الدول في فرض معايير صارِمة، وتدابير شكّلت تحدياً واختراقاً لدساتير وقوانين رسَخَت في ضمير المواطن فيها، وأصبحت جزءاً من وعيه وإدراكه وحقوقه الأساسية.
كورونا جاءت كاستثناء وظرف صحي طارئ، لكن الخوف الذي عَمّ العالم حوّل مثل هذا الاستثناء إلى قاعدة، يدافع عنها اليوم حتى أكثر المنتقدين لها في السابق، بل وتحوّل هؤلاء مع بقاء الوباء إلى أدوات تُطالب بفَرض قيود بشرية وحواجز جغرافية، وإجراءات إغلاق، وتطبيقات إلكترونية لتعقّب المصابين ثم لمحاصَرة غير المُطعّمين، ولدعم أوامر العزل وحظر التجوال.
وشيئاً فشيئاً تحوّل مثل هذا الظرف الاستثنائي وبكل ما أتى به من إجراءات وقوانين، إلى واقع معمول به وقاعدة وشرط للحياة الآمنة، وباتَ التراجع عنه بمنزلة التفريط بشروط مواجهة الوباء ومن ثَم حماية المجتمع.
هنالك شبه إجماع على أن عالم ما بعد الكورونا لا يشبه العالم الذي كان مألوفاً قبلها. وكما أطاح وباء الطاعون بالنظام الإقطاعي في القرن الرابع عشر، وخلَقَ عالماً مختلفاً بعد الطاعون، ستُغير الكورونا حتماً شَكل ووجه العالم المُقبل، وسيكون التحدي الأكبر أمام البشر حينها في الاستمرار بالتمسّك بحقوقهم الفردية وحقهم في الحركة والتنقّل، بل ولربما في حقهم في اختيار طريقة موتهم، وتلك ليست بتكهّنات، وإنما واقع نعيشه اليوم في حقبة ضاقت الأبواب فيها أمام اختيارات سابقة تصورناها مُستمرة وأزلية.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى