الأرشيف

مريم نور والسياسة!

[جريدة الطليعة 17/5/2000]

أقامت أحاديث الدكتورة “مريم نور” الدنيا ولم تقعدها خصوصاً لدى أولئك المحبين للأكل والشرهين في مذاقهم وشهيتهم!! وذلك بعد أن جردتهم تعليمات الدكتورة ووصفاتها الغذائية الصحية من كل وصفاتهم اللذيذة والشرهة، ومن كل ما يتمتعون به من أكل وشرب وتسلية!!
ولكن مريم نور ليست وحدها في هذه النزعة الغذائية المتعففة عن كل الملذات والمأكولات!! فالعودة إلى الطبيعة ونبذ كل المصنعات والمهجنات من غذاء وشراب هي عودة عالمية، تروج لها جمعيات وأفراد ألمهم ذلك التدخل البشري السافر في قوانين الطبيعة وطقوسها!! وتقلقهم دوماً سيطرة المال والربح الجشع على الصحة البدنية والروحية للإنسان!! هنالك دعوة عالمية للوقوف بصلابة في وجه آلة الجشع الآدمي المدمرة للإنسان وللطبيعة ولكل المخلوقات فوق هذه الأرض وفي أعماق بحارها وأنهارها!! وهي دعوة يغذيها ويؤججها ذلك التسابق الآدمي في التسلح. وتلك الروح العدائية التي سيطرت على العالم وفجرت حروباً راح ضحيتها الكثير. وأصبحت مسؤولية مواجهتها والحد منها مسؤولية الجميع، فرفع راية المبادرة بها أفراد مثل مريم نور وجمعيات كالسلام الأخضر!!
نحن لا نشكك بالمعلومات الغذائية والصحية التي أعلنتها ونشرتها الدكتورة مريم بل قد نثني عليها ونوافق الدكتورة فيها، خصوصاً تلك المتعلقة بمضار اللحوم، ومخاطر الألوان والأصباغ الصناعية، والمأكولات المعالجة جينياً وكيماوياً!! لكننا نتمنى لو أن تلك الدعوة الغذائية الصحية قد توسعت واحتوت مبادرات أخرى لقطع الطريق على أولئك المنتفعين من وراء ترويج وتسويق العادات والمواد الغذائية الصناعية الضارة!! ففي أوروبا مثلاً هنالك هيئات ناشطة تهدف إلى محاربة كل التدخلات الصناعية والكيميائية في الطبيعة ومصادرها، وكما حدث منذ فترة وجيزة حين اقتحم بعض دعاة العودة إلى الطبيعة حقلاً كبيراً في إنكلترا مخصصاً لزراعة المحاصيل المعالجة جينياً!! فأتلفوه ودمروا تلك المحاصيل واشتبكوا مع رجال الشرطة، وأصحاب الحقول!!
تذكرنا محاولات العودة إلى الطبيعة بأخرى مشابهة لها وإن كانت لها ظروفها الخاصة. حيث سادت إبان مرحلة الستينيات من هذا القرن دعوة لمجابهة آلة الحرب والسلام شبيهة بدعوة اليوم، وقد أجج دعوة الستينيات معارك الحرب الباردة آنذاك والتي بلغت فيها البشاعة ذروتها إبان الحرب الفيتنامية، حين استخدم الإنسان أسلحته البيولوجية والكيماوية والجرثومية في قتل أخيه الإنسان وفي الإضرار بالبيئة وبالطبيعة!!
الآن ونحن على أعتاب القرن الواحد والعشرين تنهض من جديد دعوة العودة إلى الطبيعة، ويزداد يقين البشر بمخاطر وأضرار الحروب وآلتها، وجنون التكنولوجيا وجشعها المالي والربحي!! ونأتي نحن في الكويت كأبرز المتضررين من جراء ذلك الجشع، وكأول المستهدفين من قبل الشركات العملاقة المسيطرة على سوق الغذاء والسلاح في العالم لنصبح فيما بعد فرعاً كبيراً ومهماً من أفرع شركات الغذاء العالمية، وأرضاً خصبة لكل المناورات العسكرية وتدريبات الذخيرة الحية التي سكنت سمومها في أجسادنا واستقرت في نفوسنا جميعاً!!
دعوة مريم نور الغذائية إذن تحمل ضمناً دعوة سياسية لمجابهة تلك الشركات الجشعة، ولحماية حقوقنا الإنسانية في التمتع بغذاء صحي وبيئة نقية، وصحة بدنية وجسمانية معافاة وسليمة!! وقد لا يكون ذلك أمراً سهلاً ويسيراً لأن المسألة تعني الاصطدام بمصالح سياسية واقتصادية ضخمة وقوية، لكنها تبقى حاجة ملحة ومهمة، تقع مسؤوليتها على هيئات المدنية والشعبية البعيدة عن السياسة ومصالحها؛ بخاصة بعد أن أصبحنا نرصد آثار ذلك الاستهتار بالصحة الآدمية وبالبيئة الذي حولنا جميعاً إلى ضحايا لأورام سرطانية، وأمراض جلدية غامضة وأعراض مرضية كانت شبه نادرة فيما مضى!! فهل نطمح بقراءة سياسية ناضجة لوصفات مريم نور الغذائية؟!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى