الأرشيف

لغة الحرية

[جريدة القبس 15/2/2005]

هل هنالك علاقة مباشرة بين ما يعانيه العراق من فوضى وعنف وفقر، وبين غياب الحرية عن المجتمع العراقي، لأكثر من ثلاثة عقود؟
الإجابة هي بلا شك: نعم. فوفقاً لتقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002، الذي نشره الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إن التنمية الإنسانية وحقوق الإنسان يدعم كل منهما الآخر ولهما قاسم مشترك، فالتنمية الإنسانية بتحسينها القدرات الإنسانية تخلق القدرة على ممارسة الحرية، كما أن حقوق الإنسان بتوفيرها الهياكل الضرورية، تخلق الفرص لممارسة الحرية، فالحرية هي الضامن وهي الهدف للتنمية الإنسانية وحقوق الإنسان، أما الفقر والاستبداد، أو محدودية الفرص الاقتصادية والحرمان الاجتماعي، أو إهمال الخدمات العامة والتعصب وقمع الدولة، فهي مصادر رئيسية للحرمان الإنساني، وبالتالي لانكماش الحرية، والتغلب على هذه المشاكل جوهري لممارسة التنمية.
قد لا يكون العراق وحده هوالذي يعاني خللاً في مشروع التنمية، نتج عنه فقر وعوز في ثاني دولة من حيث احتياطي النفط، فالعالم العربي يحوي مجسمات مشابهة للحالة العراقية من حيث غياب الحريات وانعكاس ذلك الغياب على برامج التنمية بشكل عام.
إن المدخل الحقيقي، بل لعله المدخل الوحيد لإعادة الاستقرار في العراق، لن يكون واقعاً إلا من خلال بذر الحريات بكل أشكالها في سائر الجسد العراقي المريض.
يفند تقرير التنمية الإنسانية العربية الحريات إلى خمس حريات وسائلية جديرة بالاعتبار في صياغة السياسات أولاها الحريات السياسية، التي تتصل بما يتوافر للناس من فرص لتقرير من ينبغي أن يحكم، ووفق أي مبادئ، وتشمل كذلك القدرة على مراقبة السلطات ونقدها والتمتع بحرية التعبير السياسي، ووجود صحافة حرة، كما تأتي التسهيلات الاقتصادية لتشكل عنصراً مهماً في فلسفة الحرية بشكل عام، ولا تقل عنها الفرص الاجتماعية التي تشير إلى الترتيبات التي يصنعها المجتمع للتعليم والرعاية الصحية اللذين يؤثران في حرية الفرد الأساسية ليعيش حياة أفضل، كما يشير ذلك التصنيف للحريات إلى ضمانات الشفافية التي تحمي التفاعل الاجتماعي بين الافراد، والتي تستند إلى فهم متفق عليه حول ما يعرض على هؤلاء الأفراد وما يتوقعون الحصول عليه! كذلك هو الأمن الحمائي، الذي يتعامل مع توفير شبكات الأمن الاجتماعي المناسبة للمجموعات الضعيفة في المجتمع.
جميع هذه الحريات الوسائلية لها أهمية خاصة في نطاق العالم العربي، ليس لذاتها فحسب، ولكن أيضاً بوصفها خيارات مهمة وحاسمة للتنمية الإنسانية.
لا تنمية إذاً بدون حرية، فالعلاقة بين المسألتين علاقة سببية وغير قابلة للتجزئة، ولعل في المثال العراقي ما يؤكد ذلك.
فالعراق بثرواته الطائلة، ومصادر دخله الشاسعة يجوع أفراده ويمرضون بصورة تفوق أفقر الدول وأقلها دخلاً وثراء.
وما لم تضع الحكومة المنتخبة الجديدة مشروعاً جاداً وحقيقياً لتفعيل مبادئ الحرية في العراق، سياسياً واجتماعياً وفكرياً واقتصادياً، فإن الحديث عن عراق مستقر وآمن سيبقى مجرد كليشيه يتناوله أهل السياسة في خطبهم الرنانة، ويتحدث حوله المثقفون في ندواتهم، وتعد به الدول الكبرى والهيئات الدولية، لكن دون أن يطال ذلك قلب العراق وأهله، فاستقرار العراق هو رهن فقط لسيادة لغة الحرية وأبجدياتها.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى