الأرشيف

رفات العلماء في الكنيسة

[جريدة القبس 3/4/2018]

وهكذا تحتضن كنيسة “وستمنستر آبي” رماد عالم الفيزياء والإنسان الملهم ستيفن هوكينغ، الذي أفنى حياته في البحث عن أصول الكون وأسرار الثقوب السوداء وطبيعة الزمن. وليستقر رفاته بذلك إلى جوار علماء آخرين أثروا العقل البشري وأتحفوا البشرية بنظريات، أصبحت مرتبطة اليوم بأدق تفاصيل حياتنا اليومية، بدءاً من تواصلنا عبر الهواتف المحمولة، ومروراً بانتقالنا وتنقلنا عبر العالم بشتى وسائل المواصلات، وصولاً إلى صحتنا البدنية والنفسية!
رماد ستيفن هوكينغ يستريح اليوم بجانب رفات اسحق نيوتن، الذي صاغ قانون الجاذبية، ووضع أسس الرياضيات الحديثة، كما يجاوره عالم آخر لا تزال علوم الأحياء والطب تستعين بنظرياته في النشوء والارتقاء، الذي عبر به البشر قبل أن يصلوا إلى هيئتهم الحالية، تشارلز داروين، الذي كانت نظريته في التطور البيولوجي والجيني للأحياء واحدة من أعظم الإنجازات العلمية في التاريخ العلمي!
هنالك بلا شك مغزى كبير من دفن هؤلاء العلماء الثلاثة في باحة كنيسة، على الرغم مما أثارته نظرياتهم من جدل وشك ونقاش لا يزال عالقاً في سماء المؤتمرات والمنتديات العلمية واللاهوتية. فالأديان وعلى اختلاف مرجعياتها كانت دائماً في حوار وجدل مع العلم. وعبر التاريخ رأينا علماء يتم حرقهم أو صلبهم أو تدمير تراثهم بحجة ازدراء العقائد، أو مخالفة الأديان. فلقد تمت محاكمة غاليليو الكاثوليكي المتدين، حين دافع عن نظرية كوبرينيكوس، التي تقول بمركزية الشمس، وبكون الأرض جرماً يدور في فلكها.
كذلك تم ضرب الرازي على رأسه حتى فقد بصره. وتم حرق كتب ابن رشد وداره بتهمة الزندقة! وغيرهم الكثير مما لا يتسع المجال هنا لذكرهم.
العلماء الثلاثة، الذين رقد رفاتهم في ساحة كنيسة “وستمنستر آبي”، كان لهم كذلك نصيبهم من الرفض والجدل حول تعارض نظرياتهم مع مسلمات دينية، فلقد رفضت الكنيسة نظرية داروين في النشوء والارتقاء، واعتبرتها تتعارض مع ما تنص عليه النصوص الدينية حول بداية الخلق. قبل أن يعلن “الفاتيكان”، وبعد مرور 150 عاماً على ظهور النظرية، مبادرة لعقد مؤتمر بين العلماء واللاهوتيين لتقوية الحوار وتقريب وجهات النظر بين ما يقوله العلم من ناحية، والدين من ناحية أخرى.
أما نيوتن فإنه كان يخفي أفكاره الثورية، التي من ضمنها رفضه الانضمام إلى الرتب الدينية. وقد تعرض للنقد حين أطلق أهم اكتشافاته حول قوانين الحركة والجاذبية، محذراً من اعتبار العالم مجرد آلة، حيث قال إن الجاذبية تشرح حركة الكواكب، لكنها لا تشرح من حرّك الكواكب.
أخيراً، إذاً يرقد ستيفن هوكينغ إلى جوار نيوتن وداروين، وهو الذي أثار جدلاً مشابهاً لذلك الذي أثاره هؤلاء، وذلك حين قال في إحدى محاضراته إن قوة الجاذبية يمكن أن تؤدي إلى إيجاد أشياء من العدم، وأن هذه هي الطريقة التي أدت إلى وجود الكون!
المغزى إذاً من أن يرقد رفات ثلاثة علماء أثروا التاريخ البشري في باحة كنيسة هو في الرسالة، التي يعكسها ذلك حول ضرورة التعامل بإيجابية وانفتاح على كل ما يحفل به التاريخ من إنتاج علمي وفكري للإنسانية، وذلك بالمناسبة كان المفتاح الأول في كل ما حققته الحضارة الإسلامية، حين كانت سماحة المسلمين آنذاك منفتحة على كل أشكال العلوم التجريبية والرياضية، من خلال ترجمة الأعمال البارزة في حركة تركت بصمتها الواضحة على حال المسلمين في السابق.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى