
للطبيعة “أخلاقها” وأعرافها وقوانينها التي لا تخضع إطلاقاً للأمزجة البشرية ولا لتقلبات الإنسان النفسية. وإذا حدث وأخضعت الطبيعة للمزاج البشري، فإن النتائج دائماً ما تأتي سلباً على الإنسان قبل الطبيعة، مثل التلوث، وثقب الأوزون والعاهات التي تصيب المخلوقات.
وللطبيعة عدالتها وميزانها الذي لا يتأرجح ولا يميل إلا وفقاً لما تقتضيه عدالة المخلوقات والصالح العام، مما يوفر انسجاماً وتوازناً يعتبر سراً من أسرار الطبيعة ومصدراً من مصادر جمالها وتآلفها.
ظاهرة الانسجام والتوازن هذه تعتبر حقيقة بيولوجية ثابتة، أخضعت لدراسات وأبحاث عديدة، فعلى سبيل المثال، هنالك توازن دقيق ورائع لأجناس المواليد في الكائنات ضمن مساحاتها المحددة التي تقطنها. بمعنى أن نسبة الإناث للذكور هي دائماً في إطارها المتوازن والمحدد، وأي خلل في ذلك التوازن يتم تلافيه “طبيعياً” وإذا حدث وتنامي الخلل، يكون ذلك الحيوان معرضاً للانقراض.
أحد المهتمين بظاهرة الانسجام في الطبيعة قام بدراسة ذاتية، لنسبة الذكور إلى الإناث في الكويت، وهي نسبة مضطربة طالما أثارت نقاشاً بين أطراف كثيرة حول أسبابها وطرق تفاديها. ويقول هذا الشخص أن الطبيعة هنا تلهث في محاولة لإعادة الانسجام بين الجنسين، غير أنها في مهمتها هذه لا تعترف بالأجناس ولا بالأديان ولا بالمهن.. وهو أمر طبيعي، وبما أن أغلب الوافدين، وأغلب الأيدي العاملة، هم من الذكور، فإن ذلك قد أدى دوماً إلى خلل ترفضه الطبيعة وتعمل دوماً على تقويمه من خلال تزايد في المواليد الإناث نسبة إلى المواليد الذكور، وهو ما نشهده اليوم من واقع.
ولأن الطبيعة عادلة، لا تحمل أحقاداً ولا ترمي إلى أهداف سياسية جشعة، فإن غريزة التوازن تلك تعكس أهمية الطرفين في أي مسلك، حيوياً كان أم اجتماعياً أم سياسياً، وهو ما يجعل الطبيعة هنا أعقل وأذكى وأبعد نظراً من دعاة الفصل وتقليص دور أحد الجنسين في الحياة البشرية.
فعلى الرغم من أن دعوى اللا اختلاط أو تقسيم المجتمع، لم تتضمن صراحة “مطالبهم المكبوتة” بعزل المرأة عن المجتمع بأنشطته وتحدياته، فإن أحاديثهم وتصريحاتهم تنطق جهراً بما فيه الكفاية برغباتهم تلك.
كان بالإمكان أن يصدق البعض منا المرمى الأخلاقي والثقافي من وراء دعوة المتأسلمين لتقسيم المجتمع، لو أنهم لم يتخلوا عن مطلبهم في فصل المدارس الخاصة، حيث تكون أحرج مراحل المراهقة والجنوح ولم يكتفوا “بانتصارهم” في فرض رؤاهم المتخلفة على من هم في طور النضج والشباب في مراحل التعليم العالي وعلى عتبة الحياة والعمل، مما يعني أن بإمكانهم بعد التخرج أن يستعينوا بطاقم من السكرتيرات أسوة بدعاة الاختلاط، وتطبيقاً لما هو موجود في مكاتبهم وشركاتهم، في المجلس أو في ساحة العمل.
نبشر “المنتصرين” في ملحمة الاختلاط، بأن “انتصارهم” هذا يأتي مخالفاً للطبيعة وقوانينها، وعدالتها. مما يعني أنها (أي الطبيعة) ستجاهد لإسقاط محاولاتهم تلك، فإن كانوا هم في غنى عن الشق الأنثوي، ويكتفون بالشق الآخر، فإن الطبيعة تتشبث بقانونها الانسجامي وتطرد كل من يخالف قوانينها، خارج مدارها، وإطارها! ونحمد الله هنا أن للطبيعة عدالتها.. وقوانينها الثابتة!!
