
أعلنت مؤخراً الإدارة المركزية للإحصاء في وزارة التخطيط عن أرقام مخيفة ومقلقة في ما يتعلق بحجم العمالة الوافدة في القطاع الخاص وحده، وعلى الرغم من حجم الأرقام المعلنة، إلا أن ما يقلق هنا حقاً، هو في التوزيع النسبي لتلك الأرقام، حيث تقول الإحصائية أن ٪94 من عددها البالغ 604894 هم من الذكور، وأن ٪77 منهم أجورهم أدنى من 180 ديناراً. وأن الأغلبية العظمى هم من حملة التعليم المتوسط. وإلى آخر ذلك من المواصفات، لشريحة تشكل ما يقارب ثلث المجتمع.
قضية العمالة الوافدة ليست قضية جديدة، ومخاطرها لا تخفى على أي عين مراقبة. غير أنها من القضايا التعجيزية على ما يبدو.. والتي تعاقب عليها وزراء ومسؤولون عدة، دون أن يكون هنالك أدنى تقدم.
قد لا يتطلب الأمر أن تكون في سلم المسؤولية وسدة القرار لتدرك العائد السلبي المباشر لعمالة يشكل ذكورها ٪94. وقد لا يحتاج الأمر إلى مقدرة ومهارة حسابية للتأكد من أن التكلفة في مثل هذه الحالة هي بلا شك أعلى بكثير من العائد المرجو، أياً كانت تبريراته وأعذاره فمن المؤكد أن تفرز تركيبة بهذا الخلل والشذوذ مجتمعاً مريضاً عاجزاً عن الانصهار، أو حتى التعامل مع محيطه بالصورة التي تضمن توافقاً للطرفين معاً. ومن المؤكد أيضاً أن يفرض دخل يقل عن 180 ديناراً ظروفاً معيشية سيئة ولا نقول متواضعة، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المتطلبات والتكاليف الحياتية القائمة الآن.
ولا نريد أن نعلن أنفسنا حكاماً وقضاة هنا، فنتهم هؤلاء بتفشي الجريمة، وإن كان في مثل هذا الوضع الشاذ ما يدفع، وبإصرار، للتنبؤ بجرائم مستقبلية سيكون هؤلاء الـ ٪94 هم ضحاياها.
العمالة الوافدة مأزق، أوقعنا فيه تخبط وخلل في الإدارة، واستهتار وخيانة للمسؤولية. وهو خلل ظل عصياً على الإصلاح والتقويم لأسباب نعلمها جميعاً، يتصل أغلبها بكون المأزق ذا خصوصيات تجعله شبه محظور عن الرقابة بسياج المحسوبية، والأسماء المرموقة. فعلى الرغم من كون مأزق العمالة الوافدة أحد الشعارات التي غالباً ما يرفعها كل الذين وصلوا يوماً إلى عتبة المسؤولية إلا أنها بقيت بلا تقدم يذكر. اللهم إلا ما جاء منه بصورة تمويهية مضحكة في أحيان كثيرة، مثل سراديب أحد المجمعات التجارية، حيث تصطف مكاتب الخدم بصورتها الرسمية والمنظمة، ويتم جلب العامل بعد إجراءات واضحة. غير أن لكل مكتب من هذه المكاتب شقة لا تبعد كثيراً عن المجمع، تمتلئ بالعمالة (الجاهزة) للاستلام ودون عناء ورقي أو إجراء رسمي. والمضحك في هذا الوضع أن الإجراء التحفظي والاحترازي الوحيد هنا هو من صنع صاحب المكتب وحده، والذي يطلب من الزبون عدم الاقتراب من الشقة وعدم الحديث مع العامل بجانب الموقع خشية (الشبهة).
هو بالفعل واقع مضحك ومبك في آن واحد غير أن تداعياته، بما فيها إحصائية الإدارة المركزية للإحصاء الأخيرة، تقول وبشدة إن زمن التهاون والتسيب في قضية العمالة الوافدة آن له أن ينتهي. وأن القضية بأكملها أصبحت مأزقاً نخشى أن يمتد بنا مثل ما امتدت قضية ومأزق البدون.. والتي كانت بداياتها إرضاء لاسم لامع، أو ترضية لشخصية مرموقة، أو تسهيلاً لمصلحة مالية، قبل أن تتشعب وتصبح أخطبوطاً نقف أمامه اليوم عاجزين نتقاذف، كالكرة فيما بيننا، أسبابه ومسبباته.
العمالة الوافدة مأزق.. تستحق مخاطره المستقبلية منا جميعاً وقفة حازمة وجريئة.. ومن دونها سيكون الحديث محض افتراء وتلهية، وقفة تصر على أن يكون لمأزق العمالة الوافدة الاهتمام الأول والاهتمام الأخير.
