
قرار اللجنة التشريعية بمجلس الأمة حول حجب الحق السياسي عن المرأة، هو بلا شك قرار جائر ومجحف وسيىء، غير أن الأسوأ منه قد كان في الحجج والتبريرات التي ساقها أعضاء اللجنة في تفسير وتبرير ذلك الرأي.
ولعلنا، وبجولة قصيرة في تفاصيل اجتماع اللجنة التشريعية، ندرك أننا أمام أزمة عقل وليس أزمة نقل.
فأعضاء اللجنة الكرام يؤكدون أنهم قد رجعوا إلى التاريخ السياسي القديم لمعرفة أبعاد قضية الحقوق السياسية للمرأة، واعتمدوا ربط الماضي بالحاضر استشرافاً للمستقبل، وذلك قبل أن يفتوا بتجريد المرأة من حقها السياسي.
ولعلهم في مجمل ردهم الأمر للتاريخ، قد أجابوا أنفسهم في كثير من المواقع!! فهؤلاء يرون أن تاريخ ما قبل الإسلام قد جعل المرأة تابعة للرجل كلياً، حيث لم يكن لقرابة الأم أي اعتبار، ولم يكن للمرأة حق في الإرث، ولم تنظم علاقتها بالرجل قوانين زواج أو طلاق، وهو بلا شك أمر مبالغ فيه، حيث ورد في التاريخ قبل الإسلامي صور لدور المرأة، كدور خديجة زوجة رسول الله c قبل أن يأتيه الوحي، كذلك كان لأم رسول الله c آمنة بنت أبي وهب دور في نسب رسول الله طالما اعتز به أشرف الخلق، وأكده معبراً دائماً عن اعتباره لقرابة الأم كما الأب.
الملفت للانتباه أن أعضاء اللجنة الكرام، قد ناقضوا حجتهم وذلك باعتمادهم على قول عمر الفاروق G الذي أورد فيه مؤكداً: “والله كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئاً حتى أنزل الله فيهن ما أنزل”. أي أن الإسلام قد أتى متمماً ومكملاً لما قد تكون المراحل السابقة قد أغفلته أو تجاهلته من حقوق للمرأة. وإذا كان التاريخ قد ذكر أدواراً سياسية واقتصادية واجتماعية للمرأة فيما قبل الإسلام، فإن المرء يتوقع أدواراً لا تقل أهمية وحساسية للمرأة مع الإسلام وفقاً لما ذكر الفاروق عمر، وطبقاً لما أورده كتاب الله الكريم، الذي ساوى بين الجنسين بقوله: Fﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡﵞ ﵝالحُجُرَات : ﵓﵑﵜ F.
ولقد تجسّد ذلك الإنصاف والمساواة بين الجنسين في القرآن الكريم من خلال خطاب القرآن للناس الذي غالباً ما يبدأ بقوله: “يا أيها الناس” أو “يا أيها الذين آمنوا” أي من النساء والرجال، أما قوله سبحانه وتعالى في سورة الجمعة، فإنه يقف شاهداً على إقرار الشريعة السمحاء بحق المرأة في العمل كما الرجل، فكما ورد في الآية الكريمة: Fﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩ﵞ ﵝالجُمُعَة : ﵙﵜ F.
وتلك دعوة موجهة للجنسين، وإن كان الرجل قد احتكر فيما بعد تلك الدعوة، وأصبحت صلاة الجمعة ضرورة للرجال فقط.
لا شك أن الاستعانة بالقرآن الكريم هي دائماً في صالح المرأة نحو مزيد من الحقوق، سياسية كانت أم غيرها، فالدين الإسلامي يساعد دائماً في تحصيل تلك الحقوق حتى وإن حاول بعض “المشرعين” المغرضين تفسير غير ذلك وتبرير رؤاهم وأفكارهم بكونها تنطلق من فكر الإسلام وروح الشريعة.
وهؤلاء يرون في أن ما جاء في القرآن الكريم من ذكر لدور المرأة السياسي، وتحديداً في سورة النحل التي أوردت قصة “بلقيس” وما كان لها من دور سياسي هام، يرون في مثل هذه حالة فردية لا يمكن الاستناد إليها في تحديد رأي الإسلام بما يتعلق بالحق السياسي للمرأة.
حجج اللجنة التشريعية بما يتعلق بالحق السياسي للمرأة، هي ولا شك حجج ملأى بالمغالطات، منها ما هو مجتمعي بحت لا يخص المرأة وحدها، بل يشمل المجتمع بكل أفراده، كالقول أن منح المرأة حق الانتخاب قد يخلق طائفة من المفاتيح الانتخابية النسائية وما قد يصاحب ذلك من مشاكل اجتماعية وأسرية.. ومنها ما هو سلوكي ونفسي الصبغة كحجة النأي بالمرأة عن المعترك السياسي الذي يعرضها للتجريح والتشهير والنيل من سمعتها وكرامتها.
غير أنهم ولا شك قد أخفقوا في الاستناد إلى الدين والشريعة لتبرير حججهم الذكورية، لأن القرآن عادل والشريعة منصفة، ولأن الله سبحانه وتعالى قد أنزل تشريعاً يقر ويعلن طبيعة العلاقة المتكافئة بين الرجل والمرأة في قول هو الأرقى والأنصف والأكثر عدالة
