
ضمن فعاليات المهرجان الخامس للخدمة الاجتماعية والنفسية لمنطقة الجهراء التعليمية. قدمت ثانوية تيماء للمقررات مسرحية بعنوان “قبعة بلا رأس” تناولت أهمية فريق التدخل السريع في إدارة الأزمات، وقدمت عدداً من المشاهد مستعرضة بعض الأزمات التي شهدتها البلاد، وكيف أدت إلى وقوع ضحايا بسبب عدم وجود فرق التدخل السريع. كما تطرقت المسرحية إلى قضية الأسرى والمعاناة التي يعانيها ذووهم وكانت تلك المشاهد تعرض على أنغام الموسيقى التصويرية المؤثرة!! وبينما كان الجمهور يتابع بتأثر ملحوظ لقطة لطفلة تحتفل بعيد ميلادها وهي بعيدة عن والدها الأسير تقدم الدكتور فهد الظفيري عضو مجلس إدارة جمعية المعلمين الكويتية مخاطباً وزير التربية بلهجة لا تخلو من التهديد حيث قال للوزير: “ما هكذا تطور العملية التربوية، ولا يوجد عندنا بنات يمثلن ويرقصن على المسرح أمام الرجال”. ثم عقب الظفيري فيما بعد ووسط ذهول ودهشة الحضور مهدداً وزير التربية: “إن هذا الموضوع لم ينته ويجب أن يوضع له حد وسترى ماذا سأفعل وموعدنا في مجلس الأمة”.
ولا حاجة لنا بالدخول في التفاصيل التي أعقبت تلك الواقعة.. فهي مملة ومكررة.. تطرح نفس الرؤية وترمي إلى نفس الهدف الذي كثيراً ما راوغ حوله أقطاب ودعاة الفكر الإسلامي المسيس وأطلقوه مغلفاً بشريعة وعقيدة هي منهم بريئة كل البراءة، ومروجاً لفكر لم ينزل الله به من سلطان!!
إن خطورة هذه الواقعة تكمن في هوية الذين أثاروها وتحدثوا بها. فالدكتور فهد سماوي قد تحدث بصفته النقابية وكعضو في جمعية المعلمين الكويتية، التي هي لسان حال جمعية الإصلاح الاجتماعي، والتي تحمل بدورها لواء (إصلاح) المجتمع أو (هديه) إلى دين الإسلام!! وهؤلاء جميعاً لهم طموحاتهم وأهدافهم السياسية الخاصة، وينتمون إلى فكر محدد وضيق في مجاله كأي فكر آخر. ولا يجوز أن تختلط أهداف سياسية ضيقة كهذه بالأهداف التعليمية الواسعة المدى والمجال!!
إن خطورة القضية هنا ليست في الاختلاف ولا في الصراع الدائر بين أحزاب المتأسلمين السياسية وغيرهم. وإنما هي في الإطار الذي تنفذ من خلاله حرب الاختلاف هذه!! فالإطار الثقافي والتعليمي الذي تعتبره حركات الإسلام السياسي هدفها الأهم وغايتها الأولى هو بلا شك أوسع وأشمل مما قد تدركه عقول وقدرات فتيان الحركات الإسلامية، الذين لا يملون من تكرار ضرورة عزل السياسة عن التعليم وعدم تسييس الأهداف التعليمية ليكونوا هم بعد ذلك أول وأكثر المنتهكين للتعليم ولمسيرته في سبيل تحقيق أهدافهم وطموحاتهم السياسية الضيقة!! فلقد سيطر هؤلاء من خلال جمعية المعلمين، وعن طريق بعض القيادات التعليمية، على التعليم والتربية بشكل واضح وذلك خلال العقدين الماضيين ولا يزالون، إلا أنهم لم يساهموا في تطوير أو تحديث العملية التعليمية، بل لقد كانوا سبباً مباشراً في تراجع التعليم بشكل عام حيث لم تتجاوز جهودهم التربوية والتعليمية حيز تشجيع الطالبات على ارتداء الحجاب وشجب الاحتفالات وتخويف صغار الطلبة من خلال سرد عذاب القبر بطريقة “عملية” وكما حدث في عدة مدارس حكومية!! أما جمعية المعلمين الكويتية فهي لا تتوقف عن إعلان “مساهماتها” الذاتية في دفع العملية التعليمية وذلك من خلال طباعة أسئلة امتحانات نموذجية مع إجاباتها وبيعها للطلبة للاستعداد للامتحان، مكرسة بذلك خلل التلقين والحفظ الذي كثيراً ما عانت منه العملية التربوية وانعكس سلباً على إبداع وقدرات ومهارات الطلبة وعلى كل المراحل الدراسية!! الجميع ولا شك مدرك جيداً لدوافع معركة القبعة التي بلا رأس، بمن في ذلك أقطاب ودعاة الإسلام السياسي!! وبما أن القضية المتنازع حولها هنا تمس التعليم الذي هو مصنع الأجيال باختلاف تطلعاتها وأفكارها. فإن الدفاع عنه – أي عن التعليم – وحمايته من الطموحات والأهداف الحزبية والسياسية الجارفة، مسؤولية كبيرة يقع عاتقها على الجميع، وخصوصاً على رجالات الدين الحق والعقيدة السامية الذين لا يريدون للدين أن يكون مطية لتحقيق أغراض دنيوية بحتة وضيقة!! فمما لا شك فيه أن الحديث بهذه الصورة عن مسرحية هادفة، تؤديها فتيات صغيرات، بموافقة أهليهن وذويهن، وبحضور جمع من التربويين والمعلمين، يكون حديثاً شاذاً ومغرضاً خاصة ونحن في زمن العلم اللامحدود، والإنترنت الذي هو بلا حدود!!
فهل من مساهمة جادة وناضجة للهروب بالتعليم من فك الحزبية القاصر؟! وهل من عقلاء يعيدون للأمور توازنها رأفة بأبنائنا من هذا التناقض الفكري وهذه الشطحات المؤسفة!! هل من مساهمة تعيد إلينا جميعاً رؤوسنا المفقودة في زحام وفوضى الصراع على كرسي وزارة التربية وعلى التعليم والثقافة؟!
