
كانت مظاهر الاحتفال بمرور خمسين عاماً على ثانوية الشويخ تحيط بكل ركن من أركان مواقع الجامعة في الشويخ!
لكنني، وعلى الرغم من الروح الاحتفالية السائدة، لم أستطع أن أكبت نزعة عارمة للمقارنة بين زمن التعليم الجميل الذي مضى وبين واقع التعليم المتردي حالياً!
كنت في طريقي إلى مكتبي بكلية العلوم الإدارية أولى الكليات الجامعية التي دشنت رحلة العودة إلى الشويخ، حيث أحسست بأن المشهد أمامي قد انقسم إلى قسمين، كل يحمل سمات عصره وزمنه، زمن جميل وآخر رديء ومشوه!
كانت مباني الزمن الجميل ومنشآته تطل شامخة غير عابئة بسنوات طويلة مضت، لكن عجزت عن أن تشوه معالمها أو أن تسرق منها فن العمارة الدقيق والمتكامل الذي وقف عليه أناس مخلصون أدوا بصدق وأمانة مهامهم، فأثرونا ببناء لم ترهقه طول السنين! كان وقتها الإخلاص والتقنية والأمانة في العمل هي القاعدة التي كان من النادر الشذوذ أو الخروج عنها!
حين نشأت ثانوية الشويخ في الخمسينيات كانت أكبر مدرسة ثانوية في الشرق الأوسط آنذاك، كانت خطة البناء والإنشاء معتمدة على نظرة استراتيجية بعيدة المرمى والهدف وفرت كل احتياجات واستعدادات المدارس النموذجية من فصول ومختبرات ومدرجات بالإضافة إلى عشرات الحجر الدراسية الصحية الكاملة والمسرح والسينما!
وقد اعتمد حينها على إنشاء تلك التحفة المعمارية المتكاملة مبلغ قدره خمسة ملايين جنيه تم استخدامها بشكل صحيح أسفر عما نشهده في مباني الشويخ القديمة من عراقة ومتانة!
وفي مقابل عراقة الزمن الجميل تطل على استحياء ملامح لمباني رثة من الزمن الرديء، حيث تصطف المباني الأسمنتية من منشآت الجامعة الحديثة بشكل مقزز أثار ما أثار من نقد وهجوم واستنزف ميزانيات هائلة وخيالية ليعجز وبعد أقل من عامين فقط عن استيعاب أعداد الطلبة والاحتياجات الأكاديمية من قاعات دراسية ومختبرات! وبحيث اضطرت كلية العلوم الإدارية إلى الاستعانة “بشبرات” مؤقتة تم استخدامها كفصول دراسية للخروج من هذا المأزق المحزن، وليبقى السؤال حول مصير الأموال التي استنزفها مبنى الشويخ الجديد عالقاً وبلا إجابة!
في الزمن الجميل كان تأثيث ثانوية الشويخ في جمال وقوة البناء، حيث تم استخدام أفخم مستويات التأثيث وأكثرها ضماناً للبقاء مدة طويلة! ولم يقتصر التأثيث على الفصول الدراسية، بل تم تأثيث جميع المختبرات العلمية ودور الرسم وسكن الطلاب!
أما في الزمن الرديء فقد تم استيراد أثاث بتكلفة عالية وهائلة، وتم التستر عليه وإخفاؤه بعد أن اتضح عدم صلاحيته للاستخدام، وتم استبداله بالأثاث القديم بعد أن تمت صباغته بألوان جديدة وذلك لتمويه فضيحة تأثيث المنشآت الجامعية، وكما حدث في كلية العلوم الإدارية!
مباني الزمن الجميل صمدت وعلى مدى خمسة عقود وخدمت أجيالاً وأجيالاً ولاتزال واقفة صامدة تحتضن إدارات جامعية عديدة، وتستقبل فصولها وساحاتها جيلاً جديداً من الأبناء، ولعل من المفارقة المضحكة والمبكية في آن واحد أن كلية العلوم الإدارية بمبناها الرخامي الفاخر وقاعاتها المزينة بالخشب المعالج قد اضطرت بعد أن ضاقت مساحتها بالطلبة وبعد أقل من عام على افتتاحها أن تستعين بفصول دراسية من مباني الزمن الجميل!
ثانوية الشويخ اليوم تحتضن مشهدين لزمنين مختلفين، ليس في فن العمارة والإنشاء وحسب وإنما في درجة الطموح والإخلاص للوطن! زمن لأهل واثقي الخطى والعزيمة تحلوا بالإخلاص والأمانة فحفظتها لهم الكويت وعمدتهم كرواد وأعلام كويتية! وزمن لأهل أضاعوا الخطوة وفقدوا الإخلاص والإيثار، فكانت النتيجة ما نراه من تشوهات إنشائية لمبانٍ جديدة شوهت معالم الزمن الجميل!
