الأرشيف

“الثورة” الصغيرة!

[جريدة القبس 17/11/1997]

**أثبت نظام المقررات نجاحه في مجتمعات عديدة، والاعتراض في مدارسنا ليس عليه إنما على الأسلوب المتبع في تطبيقه وتوقيته الزمني.. لذا كانت “ثورة” طلابنا الصغيرة ولو جاءت متأخرة**
* * *
لا شك أن “الثورة” التي أعلنها طلبة المقررات مؤخراً، قد جاءت متأخرة عن موعدها بعض الشيء. فقد لا تحتاج لأن نتعرف على تفاصيل إضراب الطلبة، ولا على مطالبهم وأسباب احتجاجهم، لكي نتيقن من السلبيات التي يحملها نظام المقررات بشكل عام، وعن فشله وإخفاقاته مع أولى بداياته في مطلع الثمانينيات. والتي سبق أن تحدث عنها مخضرمون في الجهاز التعليمي وحذروا من تجاهل تبعاتها الخطيرة على مستقبل التعليم في هذا الوطن.
لعلّ أبرز ما يميز نظام المقررات عن نظام التعليم العام، تلك الحرية المتاحة فيه للطالب كما للمدرس.. التي يتداخل معها ولا شك قرار وزارة التربية الجديد الذي أثار موجة الاستياء الحالية، والذي ينص على قائمة تتعلق بإجراءات إعداد الاختبارات التحريرية، بالإضافة إلى إقرار نظام جديد لتوحيد الاختبارات في نظام المقررات، وحيث خصص للاختبارات الفصلية نسبة ٪50 ولاختبارات نهاية الفصل ٪50.
إذاً فلقد جاء القرار الوزاري الداعي إلى فرض “قيود” جديدة على نظام الاختبارات بصفة خاصة، مهدداً تلك الحرية التي يتمتع بها الطلاب والمعلم في نظام المقررات.
لا نريد هنا أن نخوض في تفاصيل احتجاج الطلبة و”ثورتهم” بقدر ما سنتحدث عن الأسباب التي دفعت الوزارة إلى إعلان هذا النظام الجديد! فبحسب وجهة نظر الوزارة، يأتي القرار في مصلحة الطلبة حيث يدفع إلى المزيد من العدالة في التقويم والحد من التفاوت في تغطية المنهج المقرر. وكلاهما مبعث خلاف واختلاف دائم، تخوض فيه الأطراف كلها: “الطالب، والمعلم، والمدرسة، والأسرة”.
فالشكوى المتكررة من اللاعدالة في أمور التقييم تحت نظام المقررات، قد أصبحت مصدر قلق للطالب وللأسرة، بصورة دفعت بالعلاقات الشخصية والروابط الاجتماعية، لأن تكون هي الحكم والمعيار في تقييم الطالب. وبحيث تنشط حركة التنقلات بين الطلبة عند كل سنة دراسية. وذلك لضمان أكبر عدد من الأقارب والأصدقاء في الهيئة التعليمية في المدرسة التي يلتحق بها الطالب.
أما ما يتعلق بشق التفاوت في تغطية المنهج المقرر، والتي يسعى القرار الوزاري الجديد إلى الحد منها. فهي من أبرز معالم الخلل في نظام المقررات بشكل عام. حيث تتيح “حرية” وضع الاختبارات وعدم توحيدها في المراحل التعليمية، الفرصة لبعض الذمم والنفوس الضعيفة، لأن تسرف في ممارسة تلك الحرية، بصورة يتقلص معها المنهج المدرسي ليصبح مجرد مراجعة وحفظ لمادة السؤال وموضوعه فقط. حتى تراجع حجم المقرر، ليصبح مجرد صفحات لا تتعدى أصابع اليد الواحدة! لا غبار على أن نظام المقررات، هو نظام تعليمي أثبت نجاحه ومردوده الإيجابي في مجتمعات أخرى عديدة! والاعتراض عليه كنظام مطبق في مدارسنا، ليس على النظام بحد ذاته وإنما على أسلوب التطبيق المتبع، وتوقيته الزمني! فالنظام في أساسه، يرمي إلى تسخير الحرية التي يتمتع بها الفرد أساساً في المجال التعليمي. أي: أنه نتاج لمجتمع حر، ولفرد حر يعلم كيف يوجه حريته، ويستخدمها وذلك بلا شك هو مبعث الإخفاق والفشل الذي واجهه نظام المقررات. حيث الحرية بالنسبة للطالب لا تتعدى حرية الحركة خارج أسوار المدرسة وداخلها، خاصة إذا ما قورنت بتشدد النظام التعليمي العام، وصرامته فيما يتعلق بانضباط الطالب وإلتزامه وشروط تواجده الدائم داخل المدرسة. كما تتقلص حرية المعلم، لتنحصر في حريته بتحديد حجم المقرر الدراسي ومواده والتي شهدت سوء استخدام دفع إلى تدني مستوى مخرجات نظام المقررات وكما شهدنا ونشاهد.
لا شك أن للتعليم بوجه عام، أهدافاً أخرى بالإضافة إلى الهدف التثقيفي التعليمي. فمن خلال المدرسة، يتم بناء الفرد بالصورة التي تمكنه من الانصهار والمساهمة في مجتمعه. وذلك أمر يتطلب تنسيقاً وتعاوناً بين المجتمع والمدرسة.
إن التطورات الأخيرة، التي دفعت بطلبة المقررات للتعبير عن استيائهم من خلال “ثورتهم” الصغيرة. قد لا تعلن أياً من الأطراف منتصراً سواء كان الوزارة أو الطلبة. غير أنها تؤكد على الخلل في النظام بوجه عام. وهو خلل يتطلب مراجعة جادة قبل أن يتسع نطاق ونفوذ “ثورة” الطلاب الصغيرة!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى