الأرشيف

حرية بلا قيود

[جريدة القبس 27/1/2002]

حدثني بعض الطلبة عن إحساسهم العميق بالغبن والغضب في آن واحد، بالإضافة إلى الشعور بضياع الحيلة والوسيلة حين محاولتهم الإفصاح عن بعض قضاياهم ومشاكلهم، سواء كانت أكاديمية أو نقابية، فعلى سبيل المثال، يقول أحدهم إن مجموعة منهم سعت لدى عدة جهات وقنوات بهدف أن تتبنى أي منها قضية طلابية تتعلق بإحدى المشاكل التي يعاني منها الطلبة، ولكن دون جدوى ويرى هؤلاء الطلبة أن ذلك الاحتكار يشكل عقبة حقيقية ووصمة عار في جبين مستقبل الكويت الديمقراطي، وسمعتها كبلد تتعدد فيه التوجهات وتتلون فيه الآراء، وتمارس فيه الحريات بكافة أشكالها.
وقد أكد على كلام الطلبة هذا، ما جاء في تقرير لجنة الدفاع عن حرية التعبير في جمعية الخريجين، والذي نشرته “الطليعة” مؤخراً، حيث أصدرت اللجنة تقريراً عن حالة حرية التعبير في الكويت خلال السنوات من 1995 وحتى 2000، وهو التقرير الأول من نوعه الذي يصدر في الكويت.
يحوي التقرير مجموعة من القرارات والقوانين التي تتناقض مع حرية التعبير في الكويت وبشكل صارخ، ففي عام 1995 أصدر مجلس الوزراء قراراً بإيقاف صحيفة “الأنباء” لمدة خمسة أيام، وهو قرار تعسفي لا يحمل أي سند قانوني أو دستوري.
وفي عام 1996 حاولت مجموعة مسلحة تنتمي إلى جماعة دينية متطرفة اغتيال المسؤول عن نشر كاريكاتير في صحيفة “آراب تايمز”، أما في عام 1998 فقد حققت النيابة العامة مع صاحبي دار قرطاس للنشر لنشرهما كتاب “الله والجماعة” لمؤلفه محمد سلمان غانم.
كما أصدرت محكمة الجنايات في العام نفسه حكماً بحبس رئيس تحرير صحيفة “القبس” اليومية ستة أشهر مع الشغل والنفاذ، وأيضاً بتعطيل جريدة “السياسة” لمدة أسبوع.
وفي عام 1999 أصدرت دائرة الجنح بالمحكمة الكلية حكماً نهائياً بحبس رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت لمدة شهر بتهمة الطعن في ثوابت العقيدة الإسلامية.
ما سبق كان نبذة مختصرة جداً لما جاء في تقرير لجنة الدفاع عن حرية التعبير، وهي نبذة تلخص وتبرز معوقات حرية التعبير بشكل خاص في الكويت وتبين أن قنوات التعبير لاتزال محتكرة على الرغم من مظاهر الحرية التي تسود الكويت بفعل التجربة الديمقراطية التي تمتع بها أهل الكويت طوال العقود الأربعة الماضية.
إن الحرية بشكل عام، سواء كانت حرية تعبير أو غيره، لا يمكن أن يقرها قانون ولا يمكن أن تأتي بناء على رغبة أو قرار، لأنها لا تتحقق ولا تنضج إلا من خلال الممارسة، وأولى حلبات هذه الممارسة وأول تجلياتها ما يتكون ويمارس في دور العلم من مدارس وجامعات، لذا فإن حجر قنوات التعبير عن أولئك الطلبة الذين أشرنا إليهم في بداية هذا المقال يأتي متناقضاً تماماً مع ما ندعيه من أن حرية التعبير حق مكفول كفله الدستور وأجمع عليه المجتمع السياسي والاجتماعي وليس هنالك خطر أكبر من خطر أن يناقض المجتمع ما يتبنى من نهج ودستور، وأن يكون الاختلاف شاسعاً وعميقاً بين ما هو مدون في دستور البلد وبين ما هو ممارس ومتداول.
لا يمكن للديمقراطية أن تنضج أو أن تتطور دون حرية تعبير، ولكي تكون -أي حرية التعبير- فاعلة فلابد أن تكون في متناول الجميع بكافة اختلافاتهم ومشاربهم دون أن تحتكرها فئة أو أن يجلس على هرمها متنفذون أو أصحاب قنوات ووسائل إعلام، فتلك المجموعة من الشباب التي فوجئت برفض البعض لحقهم في التعبير عن مشاكلهم واهتماماتهم ستخلق مجتمعاً يتحدث عن الحرية وهو مقيد، ويكتب عن الحرية وهو سجين، وينادي بالحرية دون أن يمارسها بالفعل.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى