الأرشيف

انتحار خادمة

[جريدة القبس 18/5/2004]

إن منظر الخادمة الآسيوية وهي تسقط من الدور الثالث في إحدى العمارات، رغبة منها في وضع حد لحياتها المأساوية، يفتح من جديد ملف العمالة المنزلية، هذا الملف الذي أصبح يحرج الكويت كدولة وكمواطنين، ويشكل نقطة سوداء في صورة الكويت كدولة تقدس الحريات وتنتهج الديمقراطية!
الكويت اليوم أصبحت تحت المجهر، خصوصاً لما يتعلق بحقوق الإنسان، أولاً لكونها دولة ديمقراطية تتمتع بقدر معقول من حرية الرأي والكلمة، وبالتالي صحافة مفتوحة تستعرض كل السلبيات، ولأنها ثانياً تحتضن واحدة من أنشط الجمعيات الراعية لحقوق الإنسان والمتوقع إشهارها قريباً وهي الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان، وهو أمر قد يضاعف ولا شك من أثر أي تجاوز لتلك الحقوق!
والكويت اليوم تواجه اتهامات عدة بشأن العمالة المنزلية من حجز للجوازات، وعدم دفع تعويضات، وغياب الحماية القانونية لتلك العمالة كاستبدال عقد العمل والترحيل المفاجئ وغيره!
ملف العمالة المنزلية هو ملف كبير وضخم، لن تستطيع وزارة الشؤون حله منفردة، لذا فقد سعت هذه الوزارة أخيراً إلى تشكيل لجنة منها ومن وزارات الداخلية والعدل والخارجية والاتحاد العام لنقابات عمال الكويت وغرفة التجارة والصناعة، وذلك بهدف مناقشة المشاكل التي تثار ضد الكويت في المنظمات الدولية حول قضايا العمالة المنزلية!
هنالك روايات بشعة لما يتعلق بتعامل بعض المواطنين مع العمالة المنزلية، يصل بعضها إلى حد العقاب بالضرب المهين والمؤلم.
وتتعرض بعض الحالات لحوادث اغتصاب واعتداء، وكثيراً ما تساهم في مثل تلك التجاوزات اللا إنسانية المكاتب التجارية المتخصصة في جلب العمالة، وحيث (يتطوع) المكتب عادة في (تأديب) العامل أو العاملة في حال خروج هؤلاء عن أوامر رب أو ربة العمل!
من المؤكد أننا في الكويت لا نملك قانوناً واضحاً وصريحاً ومطبقاً ينظم العلاقة بين عامل أو عاملة المنزل ومخدوميهم، فالمسألة متروكة وبالكامل للصدفة وللحظ – الخائب أو الجيد – الذي يوفر لتلك العمالة حقوقها الإنسانية والوظيفية! وبدون أن يكون هنالك قانون، فإن من الصعب جداً تنظيم تلك العلاقة بصورة ارتجالية أو عفوية، وكما هي الحال في الوضع القائم! بل وحتى القوانين الموجودة باتت عاجزة عن التحكم أو السيطرة على الوضع! فعلى سبيل المثال يتم اختراق قانون جلب العمالة يومياً وبصورة مستمرة، بل إن هنالك من أصبح يعتمد مالياً على تلك (الأتاوات) التي يحصلها من العمالة المخالفة بعد أن كفلها بشكل غير قانوني، وأطلقها في الشوارع لتبحث عن رزقها ومعاشها!
لقد أصبح الأمر كله أقرب إلى السخرة والرق منه إلى الاستعانة بالعمالة مقابل أجر متفق عليه، وعلى الرغم من أن دول تلك العمالة تصدر تصاريح العمل المتضمنة شروطاً إنسانية ومعقولة، غير أن مكاتب العمالة لا تلتزم بتلك الشروط، وتستغل حاجة تلك العمالة للعمل، فتعقد معها اتفاقاً مسبقاً على شكلية تلك الشروط وعدم التزام المكتب أو رب العمل بها! ومن ضمن هذه الشروط ما يتعلق بالراتب والحق في إجازة أسبوعية بالإضافة إلى توفير السكن والمأكل.
في زيارته الأخيرة إلى الكويت صرح وزير القوى البشرية والهجرة الإندونيسي أن الكويت قامت بإرسال 99 خادماً للسجن من ضمنهم 7 نساء شعرن بالحمل، وقد أنجبن في السجن بعد أن حملن من مخدوميهن! وهو تصريح يلخص جانباً واحداً فقط من هذه القضية، ويؤكد على ضرورة صياغة قانون ينظم العلاقة بين الطرفين، الخادم والمخدوم بصورة تحفظ لكل منهما حقوقه! خصوصاً أن الخدم غير مشمولين بالحماية القانونية الواردة في القانون رقم 38 لسنة 1964 بشأن العمل في القطاع الأهلي!
الكويت بلد إسلامي وديمقراطي، اشتهر أهله دائماً بنصرة الضعيف! والعمالة المنزلية هي بلا شك في تصنيف الضعفاء، ومن هنا وجب نصرتها من خلال قانون ينظم العلاقة، ويعيد للكويت وجهها الإنساني الذي سرقته منها تلك التجاوزات اللا إنسانية بحق العمالة المنزلية.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى