غير مصنف

نتائج تشرخ المجتمع

[جريدة القبس 4/12/2012]

انعكاسات الانتخابات الأخيرة على النسيج الوطني خطرة ومخيفة! هكذا هو تصوري الأول حين أعلنت النتائج النهائية! واللحمة التي كانت من أبرز مقومات الكويت وأكثرها ترسيخاً للاستقرار تكاد أن تضيع، وقد لا يكون بإمكان جماعة المقاطعة، التي حوت كل الأطراف من ليبراليين ويساريين إلى قبائل ويمينيين محافظين، أقول قد لا يكون بإمكانها رأب مثل هذا الصدع، أقله في المستقبل المنظور!
وبغض النظر عن أرقام النتائج، هزيلة كانت أم في إطار المعقول والمتوقع، يبقى الأهم أن هنالك شرائح قد تم إقصاؤها من المشاركة بسبب الإصرار على مرسوم الضرورة، محط الجدل والمقاطعة! وتلك بحد ذاتها تحمل تقويضاً لمفهوم الديمقراطية والمشاركة الشعبية الواسع والشامل!
البعض تنبأ بقصر عمر هذا المجلس، وأنا أتصور أن هذه مسألة ثانوية قياساً بالمسألة الأهم التي نتمنى أن تعيها السلطة جيداً، مسألة الشرخ الذي قد يكون أصاب وحدتنا الوطنية بشكل غير مسبوق، وجعل كل فئة تتمترس خلف أعدادها ونفوذها في المجتمع والدولة!
نحن لا ندعي بأننا المجتمع الفاضل الخالي من التكتلات ذات المنبع الديني أو العرقي، فكل مجتمع بشري يحوي في خصائصه تنويعاً ومللاً وأطيافاً، لكننا استطعنا وعبر أعوام دولتنا الصغيرة أن نمارس لعبة التوازنات بدرجات معقولة لكي لا تميل دفة المجتمع وتنحرف كثيراً باتجاه واحد! وقد نجحنا في تجربة الغزو حين تجلت وحدتنا الوطنية بأبهى صورها، فكانت المنقذ الأول والأساسي لدولتنا الصغيرة، ولو لم تجتمع جميع أطياف الشعب الكويتي وتتفق في مؤتمر جدة الشهير لكان بإمكان الأحداث أن تنحو منحى آخر!
لا نريد للوحدة الوطنية أن تخرج أو تصدر بقانون، فتلك قمة السذاجة، وإنما نريدها ممارسة وفعلاً، ولا شيء يعزز التلاحم والوحدة الوطنية أكثر من ميزان العدالة، وهو الذي أصبح مائلاً وبانحراف شديد ومخيف!
ليس في ما أقول دعم لتيار دون الآخر، ولا لفئة دون أخرى، وإنما هو قول تستدعيه وتفرضه شروط بناء المجتمعات بشكل سليم ومحفز للاستقرار! وبغض النظر عما إذا كان المقاطعون يتحملون مسؤولية قرارهم، الذي أدى إلى استبعادهم من الساحة السياسية، فإن غيابهم لن يخدم إطلاقاً المسيرة الديمقراطية بالشكل الذي يتصوره البعض!
لقد ناضل الكويتيون منذ عشرينيات القرن الماضي لتفعيل مسألة المشاركة الشعبية، واستشهد منهم من استشهد في عام 1938 دفاعاً وذوداً عن مثل هذا الحق، إيماناً ويقيناً منهم بأن مبدأ المشاركة هو السفينة الوحيدة التي ستنقل المجتمع بكل مشاربه وأطيافه إلى بر الأمان! واليوم يتعرض مفهوم المشاركة الحقيقي للعبث، وتسقط على أطرافه مقومات اللحمة الكويتية والوحدة الوطنية، ويتم شرخ المجتمع بشكل غير مسبوق، فمن الرابح يا ترى من وراء كل هذا؟! ومن المستفيد مما يحدث من تشرذم داخل المجتمع الواحد باسم الديمقراطية والانتخابات؟!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى