
استقالة وزير الأشغال إثر العاصفة التي اجتاحت الكويت، وإحالة بعض المسؤولين في البلدية والأشغال إلى التقاعد، فيها من الإيجابية ما يستحق التوقف والتمعن، ليس لكوني ضد الوزير، ولا لمن صدرت بحقهم إقالات، وإنما لأنها – أي الاستقالة بدافع المسؤولية – مسألة نادرة في مجتمعاتنا العربية، حيث لا ينتهي دور المسؤول في أي موقع كان إلا بالإقالة الجبرية أو لأسباب قدرية أخرى.
ثقافة تَحَمُّل المسؤولية شبه مغيّبة من مجتمعاتنا، وإن حدثت فإنها تكون رواية يتداولها الناس كنموذج وأسطورة في الإيثار وتحمل المسؤولية، لكن المشكلة قد لا تتعلق بهذا الوزير أو ذلك المسؤول، وإنما في هيئة وتراتبية الأنظمة الإدارية المترابطة في شكلها ومصالحها قبل مضمونها وأدائها، وهو أمر أدى إلى خلق دائرة من المصالح المشتركة والمتداخلة التي قد تؤدي صحوة ضمير واحد من حلقات الدائرة إلى تفككها أو على الأقل اختراقها ومن ثم إرباكها.
حين يستقيل الوزير أو المسؤول تعبيراً عن مسؤوليته تجاه حدث ما، فإن ذلك لا يعتبر عيباً على الإطلاق، بل لعل العكس هو الصحيح، أي أن العيب في أن يستمر في عمله رغم فشله في أداء واجبه، هنا يكون العيب. فالمنصب الذي يفترض أن يكون تكليفاً لا تشريفاً، يتحول إلى حوزة وملكية شخصية يدافع عنها بكل ما أوتي من حجة وقوة وسياسة، حتى أن بعض الوزراء والمسؤولين، بل وحتى مديري المؤسسات التعليمية، يناصبون العداء لكل من ينتقد وزاراتهم أو مؤسساتهم التي يترأسونها، كونها مصدراً لوجاهتهم الاجتماعية بصفة شخصية!
حين استقال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بعد حرب 1967، معلناً تحمله المسؤولية، خرجت الجماهير العربية في كل شارع وزقاق وحي عربي ترفض، وتستنكر تلك الاستقالة الدخيلة على الثقافة العربية، حتى إن كان الرئيس بصفته مسؤولاً يتحمل وزر ما حدث، فإن الجماهير تصر على رفض الاستقالة وتطالبه بالعودة عن قراره، لقد عكس ذلك المشهد وبشكل كبير مدى تغلغل ثقافة الخلود في المنصب لدينا جميعاً، وأن المسؤول لا يتحمل وزر أي خطأ، وأن من حق المواطن أن يطالب بمعالجة الأخطاء، ولكن بعيداً عن كرسي الوزير أو المسؤول، وبشكل جعل العاطفة تغلب في أحيان كثيرة على المهنية في العمل.
ثقافة تَحَمُّل المسؤولية الأخلاقية هي سلوك ينمو ويتطور مع الفرد داخل مجتمعات صحيحة، إلى أن يتبلور في أداء حكومي مسؤول ومهني وجاد، ففي العالم المتقدم الذي، وبكل أسف لم نصل بعد إلى نصف ما وصل إليه، قد يستقيل الوزير بسبب تأخر موعد وصول القطارات مثلاً، أو إغلاق طرق أو انهيارات جليدية، والأخيرة وإن لم يكن للوزير يد فيها فإن شفافية التعامل مع المنصب الوزاري عند هؤلاء تجعلهم يصرون على أن تكون هنالك جهة تتحمل المسؤولية، وبالطبع هم لا يلقون مسؤولية الخطأ على “فراش الوزارة” كما عندنا!
المسؤولية الأخلاقية تجاه الأحداث هي إحساس أولاً، قبل أن تكون سلوكاً، وهي إحساس ينمو داخل المجتمع ليثمر أداءً مسؤولاً وشفافاً ومهنياً ونزيهاً.
