غير مصنف

القرار رقم 12

[جريدة الطليعة 24/11/1999]

قامت وزارة الصحة مؤخراً بمراجعة شاملة لأسماء أعضاء هيئة التدريس بجامعة الكويت الذين كانوا يُنتدبون بالإضافة إلى عملهم الأصلي في الجامعة للقيام ببعض الخدمات الاستشارية بوزارة الصحة وإداراتها المختلفة ومنها بعض الاستشارات التي تتعلق بخدمات طبية للمستشفيات واستشارات أخرى تتعلق بإدارات الوزارة!! وقد جاء ذلك بعد أن لاحظت الوزارة تضخم أعداد المنتدبين من جامعة الكويت للصحة، مع كل ما يحمله ذلك من عبء مالي يرهق ميزانية وزارة الصحة دون أن يكون هنالك عائد أو فائدة ملموسة وحقيقية!!
لقد أصبحت عملية الانتداب بشكل عام وليس في وزارة الصحة وحدها، عملية بحاجة إلى إعادة نظر وتنظيم، فلا توجد معايير أو مقاييس لتلك العملية، وهي إن وجدت فإنها حتماً لا تطبق ولا يعمل بها، لأن الفوضى التي نراها ونشهدها الآن تؤكد عدم وجود قيود أو قوانين تنظم الانتداب!!
أما المشاهد التي نراها لتلك العملية فتؤكد على أن وزارات الدولة تفتقد للخطط والبرامج المستقبلية والتي يفترض أن تشمل التوظيف والشواغر والاحتياجات الإدارية والفنية!! وهو بالتحديد ما تفتقده إدارة كالبلدية على سبيل المثال، حيث أصدر مدير البلدية في أواخر شهر سبتمبر الماضي قراراً بندب 50 موظفاً من إدارة الأغذية للعمل لدى إدارة البناء – قسم الأرشيف، وقد جاء ذلك القرار بناء على توجيه لجنة شؤون الموظفين بشأن توزيع العمالة الزائدة بإدارة الأغذية للعمل لدى الإدارات الأخرى، وأيضاً جاء ذلك بناء على كتاب نائب المدير العام لشؤون البناء والرقابة بشأن حاجة إدارة البناء – قسم الأرشيف إلى 500 موظف!!
لقد أصبح الانتداب في مؤسساتنا ملجأ للكثير من التجاوزات في التوظيف، فازدحمت مؤسسات كالبلدية، والداخلية، والشؤون، بفائض موظفين أدى إلى تدن واضح في التنظيم والأداء وإلى تحميل الميزانية أعباء مالية كان بإمكان الجهة المعنية استثمارها بصورة أفضل!! كما أصبح الانتداب ملاذاً آمناً لبعض القيادات المحنطة والتي لم يعد بإمكانها تقديم أي جديد أو مفيد في مجالها الوظيفي، فتحولت بقوة ونفوذ عملية الانتداب إلى (قيادات) استشارية وتحول أغلب الوزراء إلى رتبة استشاري والتي غالباً ما تكون رتباً شكلية لا تحوي أي مواصفات أو مهام حقيقية!!
هنالك ولا شك عمليات انتداب مفهومة ومنطقية ومستوفية لشروط ودوافع الانتداب بشكل عام، كالحاجة مثلاً إلى تخصص معين لشغر وظيفية ما وكما حدث في انتداب وزير العدل، القاضي بتكليف المستشار في محكمة الاستئناف بالإضافة إلى عمله، القيام بمهام نائب مدير معهد الكويت للدراسات القضائية والقانونية!! وأيضاً يبدو انتداب العضو المنتدب للهيئة العامة للاستثمار كمستشار غير متفرغ لوزير المالية والهيئة العامة للاستثمار منطقياً!! فالدوافع وراء مثل هذه الانتدابات واضحة ومعقولة، كما أنها تشكل النسبة الأقل في أعداد المنتدبين بشكل عام!! أما الشريحة الأكبر من هؤلاء فهي في جمعيات النفع العام، والهيئات الرياضية والجمعيات التعاونية والتي يتكدس فيها المئات من موظفي الدولة المنتدبين يحتلون وظائف لا تستدعي تخصصاً ولا نبوغاً ولا مهارات محددة.
لقد أصبح نظام الانتداب والإعارة في ظل الشح المسيطر على سوق العمل والتوظيف شاذاً وعقيماً، وأصبحت الحاجة إلى تنظيمه أقوى وأكبر من أي وقت مضى!! بعد أن أصبح أداة في يد بعض المتنفذين لتحقيق قبول ومكاسب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية!! ولعلَّ البداية السليمة تكون من خلال إعادة النظر في القرار رقم 12 لسنة 1979 الصادر بشأن قواعد وأحكام إعارة الموظفين بالجهات الحكومية!! وهو قرار يفتح الباب على مصراعيه للمتلاعبين والمتحايلين على شروط التوظيف والوظيفة بشكل عام!! حيث لا يحوي أي شروط تنظيمية للانتداب بخلاف موافقة مجلس الخدمة المدنية عند تجديد الإعارة إذا تجاوزت مدتها السنة!! ولا نتصور أن مجلس الخدمة المدنية قادر على تحديد احتياجات الهيئات والمؤسسات العامة، أو الهيئات الرياضية، أو جمعيات النفع العام، أو الشركات التي تساهم فيها الدولة، أو الحكومات والهيئات العربية أو الأجنبية أو الدولية، والتي تخضع جميعها للقرار رقم 12 مما يعني أن دور مجلس الخدمة المدنية في عملية الانتداب والإعارة هو دور شكلي بحت، لا يملك أي فاعلية رقابية أو تنظيمية على الإطلاق!!
لقد أصبح ذلك التسيب والفوضى في نظام الانتداب متناقضاً وبصورة مخجلة مع ما نشهده من تزايد في طوابير المتقدمين للوظائف!! وإذا كان الانتداب على مستوى الوظائف الصغيرة مزعجاً ومرهقاً مالياً!! فإنه لا يقل إرهاقاً ولا إزعاجاً على مستوى القيادات المخضرمة والتي تحولت إلى جيش من المستشارين بفعل القرار رقم 12.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى