
مؤسسة الكويت للتقدم العلمي
اتفقنا في الأسبوع الماضي على أن من واجب الحكومة أن تبدأ برنامجها التقشفي من مؤسساتها المدللة ذات الإسراف المالي المترف، والذي أصبح يثير في نفس المواطن غصة وحسرة تجاه اللا عدالة الحكومية، التي تدقق في تكاليف إسكان المواطن وتطبيبه، وتعليمه، بل وحتى في علاواته المستحقة، بينما هي في الجانب الآخر تكيل وتسرف في الميزان لتوفير الأناقة والهيئة الراقية لبعض المؤسسات، التي أصبح استمرار تبذيرها وإسرافها المالي يشكل إهانة ولا مبالاة للظروف المالية والاقتصادية التي يمر بها الوطن والمواطن! وقد اتفقنا أيضاً في الأسبوع الماضي على أن تكون بدايتنا مع أكثر تلك المؤسسات حظوة ودرجة في سلم الرفاهية والدلال: “مؤسسة الكويت للتقدم العلمي”، ولكي يكون عرضنا لهذه المؤسسة مجرداً وموضوعياً، فقد استعنت بكل ما سيأتي في المقال من أرقام وحقائق، بوثائق صادرة عن المؤسسة، وموجودة في مركز المعلومات بجريدة “القبس”.
فكرة إنشاء “مؤسسة الكويت للتقدم العلمي” تعود إلى حضرة صاحب السمو الأمير عندما كان ولياً للعهد، وذلك في عام 1976، حيث عقد اجتماع في 1/6/1976 في غرفة تجارة وصناعة الكويت، حضره ممثلون عن ست وثمانين شركة كويتية مساهمة عامة ومقفلة، وتم في ذلك الاجتماع التوقيع على سند إنشاء مؤسسة باسم “مؤسسة الكويت للتقدم العلمي”، وحددت مواردها المالية على أساس %5 كحد أدنى من صافي الأرباح السنوية للشركات المساهمة الكويتية، بالإضافة إلى ما تحصل عليه من هبات ووصايا لها من الأفراد والأشخاص المعنوية العامة والخاصة.
مشروع رائع وجاد، وهادف، يبدو في ديباجة إنشائه وقيامه مبشراً بعوائد معنوية وعلمية ناهضة وعامة تدفع بحركة العلم والمعرفة إلى الأمام، وتحفز المواطنين من علماء ومبدعين ومفكرين للمساهمة في الإثراء الفكري والعلمي للوطن، لكن الحقيقة، وبكل أسف، ليست كذلك، ومشوار المؤسسة منذ عام 1976 إلى وقتنا الحاضر يقف شاهداً على إخفاق العاملين فيها عن تحقيق أهداف قيامها السامية والواعدة.
ويكفي هنا أن ننتقي بعضاً من إعلانات وتصريحات مدراء المؤسسة لنؤكد درجة إخفاق مؤسسة الكويت للتقدم العلمي في تحقيق تلك الرغبة الأميرية السامية بضرورة النهوض العلمي بالوطن والمواطنين! ففي تصريح للدكتور عدنان العقيل أول مدير للمؤسسة في أغسطس 1980، يتحدث فيه عن برنامج للمعلومات يهدف إلى زيادة الوعي العلمي والهوايات العلمية والمهارات التكنولوجية لدى المواطنين الكويتيين، وتخصص المساعدات في الوقت الحاضر للمواد التي تتم ترجمتها إلى اللغة العربية في الحقول الآتية: كتب الأطفال العلمية التي تركز من بين أمور أخرى على بيئة الإنسان وتاريخه الحضاري، وكتب الناشئين العلمية، وبخاصة ما يتعلق بالمناهج الدراسية النظامية والنشاطات غير الدراسية.
ثم في تصريح آخر للدكتور العقيل في تاريخ 15/6/1981 عن وجود 40 بحثاً قائماً، وندوات وورش علمية وعن 200 شركة تقتطع من أرباحها السنوية لتمويل المؤسسة، ولم تختلف تصريحات أول مدير للمؤسسة عن آخرهم المدير الحالي الدكتور علي الشملان الذي أعلن في أغسطس 1986 عن ثلاثة مشاريع قيد الدراسة، تحسين الإنتاجية الفردية، وترشيد الاستهلاك المتزايد، واستصلاح زراعة الأراضي، كما أعلن كذلك في أكتوبر 1986 عن برامج قدمتها المؤسسة لأبناء المجتمع وكتب علمية وتمويل الأنشطة العلمية والثقافية الخاصة بالجمعيات العلمية وجمعيات النفع العام وعن تمويل 112 بحثاً في معهد الأبحاث، بتكلفة 11 مليون دينار وهو ما لم نستطع فهمه، حيث يتمتع معهد الكويت للأبحاث بميزانيته الخاصة وموارده المالية، إلا إذا كان الفائض المالي لمؤسسة الكويت للتقدم العلمي ضخماً إلى درجة التبرع للمؤسسات الأخرى؟
كثيرة هي المشاريع العلمية للمؤسسة، والتي بقيت مشاريع بلا تنفيذ على الرغم من دخل المؤسسة الضخم، والذي أشار إلى بعض منه الكاتب محمد مساعد الصالح في أبريل 1994، حيث يذكر أن البنك الوطني، مثلاً، قد دفع 18.300.000 دينار للمؤسسة تمثل الخمسة بالمئة المفروضة على كل شركة مساهمة، وأن البنك سيدفع مليونين ونصف المليون من أرباحه للعام المذكور، وسيدفع بنك الخليج 900.000 دينار، وشركة الهواتف ستدفع 1.200.000 دينار، وأسمنت الكويت 2 مليون دينار، بالإضافة إلى مساهمات المئتي شركة الأخرى!
هنالك ولا شك استياء عام للأداء المتواضع لمؤسسة الكويت للتقدم العلمي مقارنة بدخولها المالية وأهدافها السامية التي كان وراءها سمو أمير البلاد.
ولعل في اقتراح سموه الأخير الصادر في 30/12/1998 بتخفيض مساهمة الشركات المساهمة العامة والمقفلة في مؤسسة الكويت للتقدم العلمي إلى اثنين في المئة بدلاً من خمسة في المئة، ما يؤكد ذلك.
مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، هي واحدة من مؤسساتنا المدللة، والتي خرجت عن الإطار والهدف السامي من وراء إنشائها، لتتخبط وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاماً في مشاريع موسمية لا تتعدى مسابقات المؤسسة وجوائزها التقديرية، والتي غالباً ما كانت تحجب!
وعندما رأت المؤسسة، وبعد كل تلك السنوات الطويلة، ضرورة الارتقاء في سلم التكنولوجيا والعلوم، أعلنت عن إنشاء حوضها السمكي الكبير في منطقة السالمية، أو ما أطلق عليه مدير المؤسسة الدكتور علي الشملان “مشروع المركز العلمي”، وذلك تماشياً مع التسمية العلمية لـ “مؤسسة الكويت للتقدم العلمي”!
