الخروج إلى عدالة السماء!!

الخروج إلى عدالة السماء!!
أمسكت الأم بصورة ابنها حين وصلتها أنباء عن مقتله وقربتها إلى صدرها.. ثم أطلقت زغاريد فرح وابتهاج.. شاكرة الله على استشهاده بطلاً!! خاصة وأن هشام وهو من قاطني غزة قد قتل جنوداً إسرائيليين وليس نساء أو أطفالاً أبرياء.. على حد قول والدته!! بينما ترك هشام عبدالرحمن ذو الواحد والعشرين ربيعاً رسالة لأهله وأصدقائه يحض فيها على قتال إسرائيل ورفض جميع اتفاقات الاستسلام.. وكما جاء في رسالته!!
عملية هشام الانتحارية ليست الأولى ولن تكون الأخيرة.. خاصة في ظل التهديدات التي ترفعها “حماس” ومنظمة الجهاد الإسلامي بشن أعمال أكثر دموية وعنفاً، تهدف إلى عرقلة جهود السلام التي تمضي بها منظمة التحرير الفلسطينية!!
ما يثير هنا في عملية هشام ليس ما يتعلق بعنف التنفيذ.. وأسلوب الرفض!! وإنما في حقيقة منبع الدوافع التي تؤدي بشاب في مقتبل العمر إلى تفجير نفسه وقتلها!! بينما تنتهج الأم الثكلى تصرفاً لا يقل في صورته عن تصرف هشام.. وذلك حين استقبالها لخبر موت ابنها بالفرح والبهجة!!
قد لا ينكر أحد هنا الدافع الوطني وراء ما أقدم عليه هشام.. وكثير قبله!! وقد لا يتوانى أحد في أن يقف إجلالاً واحتراماً للمشاعر الوطنية تلك!! لكن أيضاً.. لا أحد يستطيع أن يتجاهل محيط هشام وبيئته.. ولا ظروفه المعيشية والاجتماعية والاقتصادية!! كما ولن يشك أي متابع لمجريات الأحداث تداخل ظروف هشام الحياتية وانعكاسها المباشر على أسلوبه في التعبير عن وطنيته ورفضه لمسار السلام “الفلسطيني – الإسرائيلي” فحين يكون الموت خلاصاً.. من مشقة الحياة وقسوتها تصبح الوطنية لدى هشام وغيره مرادفاً للعمل الانتحاري وحين يكون الموت ملجأ للهروب من مستنقعات “غزة” ومن الظروف الحياتية البائسة في ظل الصقيع والمطر.. والكوليرا!! تصبح العمليات الانتحارية عنواناً بارزاً للنضال، لا يتوانى أمثال هشام في أن تكون لهم فيه الخطوة.. والمبادرة!! وحين تغيب العدالة في الأرض ينشد هشام وغيره عدالة السماء وحيث يجتمع هناك بمن قتلتهم إسرائيل.. وكما جاء في خطابه لأهله وأصحابه!!
لا نرمي هنا إلى التقليل من شأن نضال هشام ولا إلى التشكيك في حقيقة وطنية!! وإنما هي إشارة إلى جذور العنف والعمل الانتحاري، سواء كان بدافع وطني أم بدافع إرهابي!! فدموية المعارضة الجزائرية لم تخرج من أحيائها الراقية، ولا من منتجعاتها السياحية!! وإنما تدفق العنف من البؤس المتراكم في قراها الوضيعة وجبالها وأدغالها البدائية!!
ولم ينشأ التطرف الديني في مصر.. من أوساطها الارستقراطية!! ولا هتفت جموع التكفير فيها.. من قلب “الزمالك” و”المعادي” ونادي الجزيرة!! بل خرجت من فقر “الحسين” ومن سكنى المقابر!! العلاقة بين البؤس الاجتماعي ودموية وعنف التعبير والاحتجاج علاقة واضحة ومنطقية!! يغفلها الكثير ويتجاهلها البعض، ويصر البعض الآخر على اتباع سياسة العنف المضاد في التصدي لما تثيره من مقومات لا استقرار وعنف!!
جميع الشواهد من حولنا تؤكد أن اللاعدالة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً هي منبع وسبب الدموية والعنف لا العكس!! وعلى الرغم من اختلاف مبررات العنف ودوافعه.. إلا أنها تعود أساساً إلى المنبع ذاته!! وعدم الاعتراف بتلك العلاقة يعد من أهم الأسباب في فشل حكومات كثيرة في التعامل مع العنف!! وهو ما يحرص وزير الخارجية الإسرائيلي “شمعون بيريز” على أهمية الوقوف عليه!! فقد جاء تفاعله مع عملية هشام الانتحارية، والتي حصدت أرواح ثلاثة إسرائيليين، بالتركيز على ظروف غزة.. حيث خرج هشام.. والتأكيد على وجوب بذل أقصى الجهود لتمكين السلطة الوطنية الفلسطينية من ضمان التنمية الاقتصادية في قطاع غزة.. وحيث يعيش أكثر من 800 ألف فلسطيني في ظروف مزرية!! وفي الوقت ذاته شنت الشرطة الفلسطينية، حملة اعتقالات واسعة في القطاع، تنفيذاً لأوامر رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات!! الذي وجد في انتحارية هشام فرصة سانحة لكسب سياسي، وذلك من خلال إثارة قضية استمرار بقاء المستوطنات الإسرائيلية في منطقة الحكم الذاتي!! وإرجاع الأسباب التي دفعت بهشام وغيره إلى التعبير عن الاحتجاج بعمليات انتحارية.. إلى عامل الاستيطان في غزة فقط!!
لقد تغلبت إغراءات الموت والشهادة لدى هشام على واقع الحياة المر في مستنقعات “غزة” (المحررة)!! وربيع العمر الذي ينتظر هشام غدا خريفاً مجهول المصير!! بلا عمل.. ولا أسرة.. ولا سكن ولا مستقبل!! فخرج هشام من نفق الحياة المظلم.. ينشد عدالة تملأ السماء.. وعدلاً يلف الكون!!
