من يقطف ثمار النضال؟

من يقطف ثمار النضال؟
من يقطف ثمار النضال؟! سؤال يكثر ترديده حينما تشرف مرحلة ما من نضال شعب ما أن تُلقي بسلاحها الثقيل، لتبدأ مرحلة السلم والرخاء. وهو سؤال، ولا شك، لم يترك قادة منظمة التحرير الفلسطينية فرصة لأحد كي يجيب عليه، حيث أعلنت نفسها حكومة مؤقتة للدولة الفلسطينية القادمة، وذلك منذ توقيعها على (إعلان المبادئ) في الثالث عشر من سبتمبر في حديقة البيت الأبيض بواشنطن، مؤكدة بذلك على حقها المشروع في قطف ثمار الصراع، والنضال الفلسطيني الذي قادته طوال سنوات عديدة.
قد لا يكون الأمر كذلك بالنسبة للدكتور “هشام شرابي”، رئيس المركز الفلسطيني للدراسات السياسية في العاصمة الأمريكية وأستاذ التاريخ في جامعة “جورج تاون”، والذي يرى ضرورة تعبئة القدرات الفلسطينية على اختلاف أنواعها بضوء المصلحة الوطنية، لا المصلحة الجزئية أو الخاصة. لذلك فإن الدكتور “شرابي”، والذي لم يستطع أن يُخفي تشاؤمه من الأسلوب المتبع الآن، على الرغم من ثقته بأن الشعب الفلسطيني – على حد قوله – لن يقبل أن يتلاعب به أحد، ولن يقبل نظاماً أبوياً على نمط أنظمة عربية قائمة!!
إلا أن ذلك، وبكل تأكيد، لا يتفق مع ما يراه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، والذي جاء قراره في تعيين تشكيلات المكاتب الجديدة للمنظمة في منطقتي غزة وأريحا فصراً على أعضاء من حركة (فتح) فقط، في تجاهل واضح لغيرها.
الرئيس الفلسطيني، قطعاً، لا يرى ما يراه “هشام شرابي” أو “إدوارد سعيد” أو غيرهما من مثقفي الحركة الفلسطينية؛ فهو، على عكسهم جميعاً، يصر على أن الديمقراطية الفلسطينية (سكر زيادة)، وكما جاء على لسانه في لقاء أجرته معه جريدة “الحياة”، فهو لا يرى أن هناك تباينات فلسطينية، بينما هناك تباينات في إسرائيل، وفي الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك، وفي أوروبا. أما في ما بين القيادات الفلسطينية، فإنها قد فاجأت الجميع بصلابة موقفها وتماسكه.
السيد “عرفات”، ولا شك، يتحدث عن الديمقراطية من منطق عربي بحت؛ فالحياة دائماً في الوطن العربي تسير على ما يرام، والشعب دائماً يرفل بالسعادة والأمان، والتي هي دائماً نتاج لسياسة حكومته الرشيدة، الساهرة دوماً على حياة وأمن ومستقبل المواطن!! أما الذين يروّجون للنقد والتساؤل، فهم مثيرو شغب، مهددون للوحدة الوطنية، وناقمون على منجزات الحكومة!!
فالمعارضة دائمًا في الوطن العربي هي طابور خامس يهدد الوحدة الوطنية، ويفتح المجال لأعداء الوطن والشعب لاصطياد ما يرغبون به في مياه الخلاف العَكِرة!!
وعلى الرغم من إصرار الرئيس الفلسطيني على السير وفق الإيقاع العربي لمفهوم الزعامة والقيادة، إلا أن معضلته الحقيقية أنه زعيم لشعب دفع الكثير من دمه وماله واستقراره وأمنه، ولا يتوانى عن دفع المزيد.
لا شك أن الشعب هو صاحب الحق في قطف ثمار النضال، وذلك بالتأكيد على عكس الواقع في الوطن العربي. فالمناضل، في المفهوم العربي، يبدأ مناضلاً ثم زعيماً، ثم رئيساً للدولة، مؤكداً بذلك أنه رجل كل الأزمنة، وكل الظروف!!
“عرفات”، في ذلك، لم يختلف عن أي مناضل عربي آخر، حريص على قطف ثمار نضاله، وهو يرى في ذلك حقاً مشروعاً، بعد أن حمل لواء القضية الفلسطينية، وطاف أرجاء المعمورة منادياً ومطالباً بحقوق الشعب الفلسطيني.
مأزق عرفات الحقيقي هنا، والذي يجعل من زعامته تواجه اختلافاً حرجاً عن حالات الزعامة العربية الأخرى، أن الاعتراف بالشعب، من قبل العالم ممثلاً بالأمم المتحدة، قد جاء قبل الاعتراف بالرئيس ومنظمته، حيث أصدرت الجمعية العامة في الأمم المتحدة قرارين في الرابع من نوفمبر 1970، ثم في الثامن من ديسمبر، مدشنة بذلك رؤية جديدة للشعب الفلسطيني، الذي كان – إلى ما قبل تلك القرارات – لا تتعدى مشكلته كونها مشكلة لاجئين، وأصبحت في ذلك العام حقوق الشعب الفلسطيني ضرورة وعنصراً لا غنى عنه لإقرار سلام دائم وشامل في الشرق الأوسط. ثم، ومن باب حرص الأمم المتحدة على الاعتراف بمقومات الشعب الفلسطيني، جاءت دعوتها للمنظمة في العام 1974 لمناقشة القضية الفلسطينية من فوق هذا الصرح العالمي.
مشكلة “عرفات” هنا، أن العالم من حوله قد أيّد دوماً النضال الفلسطيني، وآمن بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته، ولم يؤيّد نضال الرئيس الفلسطيني وحسب. لذا، فإن مرحلة جديدة من النضال هي أمام السيد “عرفات” الآن: نضال الزعيم في مواجهة الشعب، إن لم يكن قد بدأها بالفعل. فهو الذي يؤمّن معيشته، وحياة آلاف المقاتلين الفلسطينيين، بالرغم من الضائقة المالية التي تجابهها المنظمة. وهو، كذلك، مسؤول – بصفته القيادية في المنظمة – عن دفع رواتب آلاف المقاتلين السابقين في اليمن، وليبيا، والسودان، والعراق، والجزائر. وهو أيضاً الذي يشرف على تعيين الشرطة الفلسطينية، وبناءً على كل ذلك، فهو الذي يستطيع أن يقرّر زمن الانتخابات، إن لم يكن مصيرها أيضاً!!
لقد استطاع الرئيس الفلسطيني من قبل أن يفلت من شباك صراع (أيلول الأسود) في الأردن عام 1970، واستطاع كذلك أن ينفذ من حصار بيروت في العام 1982، وأن ينجو من حوادث اغتيال، وأخيراً من أن يفنى في حادث الطائرة الشهير… فهل يستطيع أيضاً أن يلوذ بنفسه عن مخاطر الزعامة في عالمنا العربي، ويصبح بذلك مثالاً آخر لحالة النضال العربي الفريدة؟ حالة الرئيس السوداني “سوار الذهب”، الذي خرج عن القاعدة العربية، فأصبح حديث التاريخ العربي المعاصر؟!
